قال مصدر مطّلع لـ”لبنان24″ إنّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الجنوب لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الاستهداف العسكري أو الميداني، بل من زاوية أوسع ترتبط بمحاولة ضرب شروط الحياة نفسها في القرى المدمّرة. فبعد الجسور وشبكات الكهرباء والإنترنت وألواح الطاقة، تمدّد الاستهداف إلى منشآت المياه، من آبار ومحطات ضخ وخزانات وشبكات جرّ، في مشهد يعيد طرح السؤال الأساسي: هل تريد إسرائيل منع عودة الأهالي إلى قراهم حتى بعد توقف النار؟
بحسب المصدر، فإنّ أكثر من 15 محطة مياه جرى تأهيلها بعد الجولة الأولى من الحرب لتأمين الحد الأدنى من حاجات القرى والبلدات، قبل أن يتأكد استهداف أكثر من نصفها في الجولة الجديدة. ويضيف المصدر أنّ ما يجري ليس ضرراً جانبياً فقط، لأنّ ضرب محطة ضخ أو بئر أو شبكة أنابيب يعني عملياً تعطيل بلدة كاملة، لا سيما في مناطق تحتاج أصلاً إلى الكهرباء والمازوت لتشغيل المضخات.
وتقاطعت هذه المعطيات مع ما أوردته تقارير دولية عن تضرر منشآت مائية في لبنان، اذ قالت منظمة “أوكسفام” أنّ الهجمات ألحقت أضراراً بما لا يقل عن سبعة مصادر مياه حيوية، بينها خزانات وشبكات أنابيب ومحطات ضخ كانت تزوّد نحو 7000 شخص بالمياه في البقاع وحده. كما أشارت إلى أنّ الاستهداف غير المباشر للكهرباء يعطل بدوره عمل محطات ضخ المياه والصرف الصحي، فيما طالت الهجمات المباشرة محطات ضخ وعاملين بلديين يديرون آبار المياه.
في الجنوب، لا يحتاج الأمر إلى تحليل طويل. من يقطع الطريق يمنع الوصول، ومن يضرب الكهرباء يعطل الخدمات، ومن يستهدف المياه يحاصر البقاء نفسه. لذلك يرى المصدر أنّ الاستهداف الاخير خلال الحرب قبل وقف إطلاق النار يأتي ضمن نهج متدرج لمنع عودة الحياة إلى القرى، لا عبر تدمير المنازل فقط، بل عبر ضرب كل ما يجعل العودة ممكنة سواء من طريق، او شبكة، بئر، محطة، مضخة، أو حتى لوح طاقة.
قانونياً، يضع القانون الدولي الإنساني خطوطاً واضحة في هذا الملف. فالمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومنها بطبيعة الحال منشآت المياه. كما تؤكد قاعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر العرفية رقم 54 الحظر نفسه على استهداف أو تعطيل ما يُعد ضرورياً لبقاء المدنيين.
لكنّ خطورة الملف لا تقف عند الجنوب وحده. فالمياه كانت دائماً جزءاً من الصراع مع إسرائيل، من الوزاني إلى الليطاني، والذي تعتبره كنزا طبيعيا تريد السيطرة عليه للاستفادة منه لتأمين حاجات الشمال ووسط إسرائيل، ودعم المؤسسات السياحية هناك. والدراسات التي تناولت تاريخ النزاع المائي تشير إلى أن مياه الليطاني حضرت في النقاشات الإسرائيلية والإقليمية منذ عقود، وأن مشاريع وخططاً قديمة بحثت إمكان ربط مياه لبنانية بمنظومة نهر الأردن، رغم أنّ الليطاني نهر لبناني داخلي. كما شكّل نزاع الوزاني عامي 2001 و2002 نموذجاً واضحاً لكيفية تعامل إسرائيل مع أي محاولة لبنانية للاستفادة من موارده المائية السيادية.
لذلك، لا يبدو استهداف المياه تفصيلاً تقنياً في يوميات الحرب. في الجنوب، الماء لم يعد خدمة فقط، بل شرط صمود. ومن يضربه يعرف تماماً أنّه لا يهاجم منشأة إسمنتية أو أنبوباً تحت الأرض، بل يضغط على قرار الناس بالعودة، ويحوّل الإعمار إلى معركة يومية تبدأ من أبسط سؤال: كيف يعيش الناس بلا ماء؟
المصدر: Lebanon24