فتدمير مبانٍ مدنية معروفة بعدم وجود أسلحة وصواريخ فيها في بيروت لا معنى له سوى إلحاق الأذى الكبير، وزيادة حجم الدمار وبالتالي زيادة الأعباء المادية والنفسية ورفع وتيرة العصبيات السياسية والطائفية والمناطقية وخلق فتن متنقلة بين اللبنانيين، تماما كما حصل في استهداف المبنى في عين سعادة.
أما الخطاب السياسي الرسمي اللبناني عن قبول التفاوض المباشر ولو برعاية دولية للتوصل الى توافقات أمنية، فقد ظهر ان لا قيمة له على الأرض سوى استجداء الدعم الدولي البلا طائل لوقف العدوان، وبسبب المشروع الأميركي – الإسرائيلي الموضوع للبنان والمنفصل عن أوضاع دول المنطقة الأخرى.
والمشكلة الأكبر تكمن في الاستسلام العربي والدولي الكامل لهذا المشروع، والعجز عن مواجهته مع انه يضرّ بالدول العربية والأوروبية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وهو بالأخص يضرّ بروسيا والصين والدول المتحالفة معهما، وهي الهدف الدولي الأبعد لمعارك ترامب، عدا الهدف الأقرب وهو وضع اليد الأميركية براحة على مقدرات النفط في إيران ودول الخليج وبعض الدول الأخرى المنتجة للنفط كما حصل في فنزويلا.
وكتب انطوان مراد في” نداء الوطن”: تلفت أوساط دبلوماسية غربية إلى أن أولوية إيران كما اتضح هي إيران، وأنها وإن اعترفت بفضل أذرعها وخدماتها لمشروعها التوسّعي، فإن تلك الأذرع تدرك في الوقت عينه حقيقتين مهمّتين:
الأولى أن “حزب اللّه” بشكل خاص وسواه من التشكيلات التابعة كما في العراق واليمن، لم يكن ليولد ويترعرع ويصل إلى هذه الدرجة من النفوذ والقوّة لولا الدعم الإيراني المباشر سياسيًا وماليًا وعسكريًا وأمنيًا.
والثانية أن إيران باتت عاجزة اليوم وبنسبة كبيرة عن تأمين هذا الدعم بأشكاله المختلفة ولا سيّما تمويلًا وتسليحًا، و”الحزب” يدرك جيّدًا هذا الواقع، ولذلك وبحسب المعطيات، يلعب أوراقه “صولد”، وكأنه بصدد معركة وجودية أخيرة. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن ما ينتظر “الحزب” في مرحلة لاحقة سيكون شديد الوطأة عليه مع تراجع إمكاناته والتخلّي الإيراني القسري عنه ما خلا الدعم السياسي والمعنوي.
وفي ضوء ما تقدّم، يلفت قيادي سيادي بارز، إلى أن على أركان الدولة اللبنانية بخاصة أن يدركوا الواقع الراهن وآفاقه، وأن يتخلّوا عن الحذر والتردّد والخوف في قراراتهم وبخاصة في تنفيذ القرارات المتخذة أساسًا، لأن التجارب الأخيرة تثبت حقيقة أن الدولة هي اليوم الطرف الأضعف بدلًا من أن تكون الطرف الأقوى، بعدما أهدرت فرصًا متلاحقة لتطبيق قرار حصر السلاح بشكل جدي، وخسرت الكثير من هيبتها وصدقيتها.
وثمّة جانب آخر من “العجز الإرادي” لدى السلطة اللبنانية، ويتمثل في الاكتفاء بتغيير من فوق أي على مستوى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والحكومة، من دون أن يشمل التغيير المفاصل الأساسية المتحكّمة بالدولة والمؤسسات الرسمية والعامة، من إدارية وأمنية وقضائية ومالية.
وكتب جان الفغالي في” نداء الوطن”: يبدو المشهد اللبناني اليوم وكأنه يقف عند تقاطع متناقض بين سرديّتين لا يمكن جمعهما بسهولة: قرار رسمي يعتبر “حزب اللّه” كيانًا محظورًا أمنيًا وعسكريًا، وموقف “الحزب” الذي يعلن “الانتصار” ويؤكد شرعيته. هذا التوازي بين الحظر والانتصار لا يعكس فقط ازدواجية في التوصيف، بل يكشف أزمة أعمق في بنية الدولة اللبنانية نفسها، حيث تتنازع المرجعيات، فكيف يمكن التوفيق بين هذين الخطين؟ في الظاهر، يبدو الأمر مستحيلًا. الحظر يعني نزع الشرعية، أو على الأقلّ محاولة تقييدها قانونيًا وأمنيًا، فيما الانتصار يعني تثبيت الشرعية وتعزيزها. لكن في لبنان، حيث النظام السياسي قائم على التوازنات الطائفية والتسويات الهشة، يصبح التناقض جزءًا من آلية إدارة الأزمة بدل أن يكون مدخلًا لحلّها.
“الحزب”، لا يرى في قرار الحظر سوى انعكاس لضغوط خارجية أو حسابات سياسية داخلية لا تغيّر “الوقائع الميدانية” التي يعتبرها مصدر شرعيّته. فهو يستند إلى سرديّة المقاومة والانتصارات العسكرية، ويقدّم نفسه كقوة ردع لا يمكن تجاهلها. في المقابل، تحاول الدولة، أو ما تبقى من هيبتها، أن تؤكد احتكارها السلاح والقرار الأمني، ولو نظريًا، من خلال مثل هذه القرارات.هذا الانفصام بين الواقع القانوني والواقع الفعلي يضع لبنان أمام معادلة خطيرة: دولة تعلن شيئًا ولا تستطيع تطبيقه، وقوة سياسية عسكرية تتصرّف كأنها فوق هذا الإعلان. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمكن لهذا التناقض أن يفجّر البلد؟في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للبنان أن يستمرّ في العيش ضمن هذا التناقض؟ “حزب اللّه محظور ومنتصر”، ليست مجرّد مفارقة لغوية، بل عنوان أزمة سيادية وسياسية تعكس خللًا بنيويًا في النظام اللبناني. وبين الحظر والانتصار، يبقى لبنان معلّقًا في منطقة رمادية، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل دولة تبحث عن نفسها في ظلّ توازنات لا تستقرّ.

