Categories: أخبار

لبنان بين حرب استنزاف طويلة وانهيار اقتصادي حتمّي

بعد مرور 28 يومًا على بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، التي كان “حزب الله” السبب المباشر في اندلاعها في الأول من هذا الشهر ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق السيد علي خامنئي، يواصل الجيش الإسرائيلي توغّله في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني كهدف من المرجّح الوصول إليه في المدى المنظور على رغم ما يواجهه من مقاومة شرسة تحدّ من سرعة حركته التوغلية، ولكنها غير قادرة، في رأي خبراء عسكريين، على منعه من الوصول إلى الهدف، الذي على أساسه كانت حربه مع “المقاومة الإسلامية”.
ومع كل يوم يمرّ من هذه الحرب الضروس يرزح لبنان، بكل فئاته السياسية والشعبية، تحت نير الضائقة الاقتصادية، التي أصابت شظايا الحرب الكبرى بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل دول العالم، وبالأخصّ دول المنطقة المتأثرة مباشرة بمفاعيل هذه الحرب. وقد يكون لبنان الأكثر تأثرًا من غيره بتداعيات هذه الحرب الكبرى في المنطقة، وبمفاعيل الحرب الإسرائيلية عليه، وهو الذي كان يعاني من أزمات اقتصادية متراكمة حتى قبل أن يقرّر “حزب الله” جرّه إلى حرب لم يكن يريدها عندما أسندت “حارة حريك” قطاع غزة من دون استشارة أحد، بل غصبًا عن إرادة أغلبية ساحقة من اللبنانيين.
ومع كل يوم يمرّ من هذه الحرب الطويلة تزداد معاناة اللبنانيين، وبالأخص أهل الجنوب وأهل الضاحية الجنوبية لبيروت، الذين أرغمتهم هذه الحرب على ترك بيوتهم وأرزاقهم فهاموا على وجوهم، وقد وصل عددهم، وفق آخر الاحصائيات، إلى مليون و300 ألف.
وعلى رغم هذه المعاناة غير المسبوقة فإن ما يسمعه هؤلاء النازحون من تصريحات لعدد من الذين يعدونهم بالنصر الكبير لن يقيهم من البرد ومن الجوع ومن الشعور بأنهم متروكون لمصيرهم بعدما ضاع شقاء العمر في لحظة.
وبغض النظر عن المعاناة اليومية لهؤلاء النازحين قسرًا فإن السيناريوهات الضبابية تفرض نفسها على أفق الاقتصاد اللبناني الغامض المصير، خصوصًا إذا طال أمد هذه الحرب، حيث تحلّ محل التوقعات الإيجابية تقديرات قاتمة، وحيث تتحوّل الرهانات غير الواقعية على التعافي إلى إدارة متعثرة لأزمة مفتوحة وطويلة.
ومع استمرار هذه الحرب، تتقلص هوامش التعافي التي كانت قائمة قبل حرب “اسناد إيران”، ويتحول التركيز من احتمالات النموّ النظري إلى الاكتفاء بإحصاء الخسائر ومحاولات، وإن فاشلة، لاحتواء التداعيات، في ظلّ هشاشة البنية المالية للدولة المنهارة على كل المستويات.
وفي موازاة هذا الانهيار المتدرّج، تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة عن المشهد، أو عاجزة عن القيام بالدور المطلوب منها في إدارة أزمة بهذا الحجم، سواء على مستوى إغاثة النازحين، أو على مستوى وضع خطة اقتصادية طارئة، أو حتى على مستوى طمأنة اللبنانيين إلى أن هناك من يدير المرحلة بأقل قدر ممكن من الخسائر. فالدولة التي كانت عاجزة قبل الحرب عن معالجة أزماتها المالية والنقدية، تجد نفسها اليوم أمام كارثة أكبر بكثير من قدرتها على التحمل.
وما يزيد الأمور تعقيدًا أن هذه الحرب لا تبدو حتى الآن حربًا قصيرة يمكن احتواء نتائجها، بل حرب استنزاف طويلة، تستنزف ما تبقى من اقتصاد منهار في الأساس، وما تبقى من مؤسسات، وما تبقى من قدرة اللبنانيين على الصمود. فالمؤسسات السياحية شبه متوقفة، والاستثمارات مجمّدة، وحركة الاستيراد والتصدير متعثّرة، والبطالة إلى ارتفاع، والهجرة عادت لتطرق أبواب اللبنانيين بقوة، وكأن هذا البلد محكوم عليه أن يخسر شبابه في كل أزمة.
أما الليرة اللبنانية، التي كانت قد شهدت نوعًا من الاستقرار النسبي قبل اندلاع الحرب، فقد عادت لتدخل مرحلة القلق، لأن أي حرب طويلة تعني مزيدًا من الضغط على المالية العامة، ومزيدًا من طباعة العملة، ومزيدًا من التضخم، ومزيدًا من تآكل القدرة الشرائية للمواطن، الذي أصبح راتبه لا يكفيه حتى لأيام قليلة.
وفي ظل هذه الصورة القاتمة، لا يبدو أن هناك أفقًا واضحًا لنهاية هذه الحرب، ولا رؤية واضحة لليوم التالي، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا. وهذا ما يجعل الخوف ليس فقط من نتائج الحرب العسكرية، بل من نتائجها الاقتصادية والاجتماعية، التي قد تكون أخطر بكثير من الحرب نفسها، لأن الدول يمكن أن تعيد بناء ما تهدّم، لكنها تحتاج إلى سنوات طويلة لتعيد بناء اقتصاد انهار ومجتمع تفكّك وثقة فُقدت.
المشكلة أن لبنان يدخل هذه الحرب وهو أصلاً في حالة انهيار، وليس في حالة دولة قوية تستطيع أن تتحمل حربًا طويلة. ولذلك فإن كل يوم إضافي من هذه الحرب لا يعني فقط خسائر عسكرية أو دمارًا إضافيًا، بل يعني أيضًا اقتراب لبنان أكثر فأكثر من الانهيار الشامل، اقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا.
لا شكّ في أن هذه الحرب ستنتهي يومًا ما كما انتهت كما انتهت كل الحروب السابقة،
لكن السؤال الحقيقي ليس متى تنتهي الحرب، بل في أي حال سيكون لبنان عندما تنتهي.
فالحروب لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى وحجم الدمار، بل تُقاس أيضًا بحجم الانهيار الذي تتركه في اقتصاد البلد وبعدد السنوات التي يحتاج إليها ليقف على قدميه من جديد. والخوف اليوم ليس فقط من حرب تدور على أرض لبنان، بل من بلد قد لا يستطيع النهوض بعد أن تنتهي هذه الحرب.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

الدفاع المدني في جويا يتلقى اتصالا إسرائيليا يطلب إخلاء هذه البلدة فوراً

ورد اتصال من الجيش الإسرائيلي إلى مركز الدفاع المدني في جويا طُلب خلاله بضرورة إخلاء…

3 دقائق ago

تقرير لـ”Responsible Statecraft”: هكذا تخدم إستراتيجية “حرق العشب” في جنوب لبنان “حزب الله”

ذكر موقع "Responsible Statecraft" الأميركي أن "وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال في بيان هذا…

27 دقيقة ago

بالصور: قتيل وجريح بحادث سير مروع على أوتوستراد القلمون

وقع حادث سير مروّع على أوتوستراد القلمون باتجاه بيروت مقابل حلويات المبسوط إثر اصطدام سيارة…

29 دقيقة ago

توسّع الحرب يهّدد تحويلات المغتربين من الخليج..ومصير الدولار على المحك

شكّلت تحويلات المغتربين اللبنانيين، خطّ الدفاع المالي الأخير للأسر المقيمة في مواجهة الانهيار الاقتصادي منذ…

58 دقيقة ago

الخارجية الفرنسية: ندعم التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل

أوضح باسكال كونفافرو المتحدّث الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن بلاده "رحّبت" بما وصفها بالقرارات…

ساعة واحدة ago

إيران تنشر صور 6 قتلى في لبنان.. وتقرير يكشف التفاصيل

أعلنت الخارجية الإيرانية مصرع 6 من دبلوماسييها جراء الهجمات الإسرائيلية على مقر إقامتهم في لبنان.…

ساعة واحدة ago