لا تكاد شركات الطيران تلتقط أنفاسها من أزمة إلا وتقع في أزمة أخرى. فبعد سنوات التعافي البطيء من جائحة كورونا، جاءت حرب الشرق الأوسط الأخيرة لتضرب سلاسل الإمداد العالمية في مقتل، وتعيد خلط أوراق صناعة الطيران من جديد. والنتيجة التي يلمسها المسافر اليوم بكل وضوح،تذاكر طيران أسعارها تكسر كل التوقعات، ومقاعد باتت شحيحة على رحلات كانت حتى الأمس القريب شبه فارغة. فما الذي جرى بالضبط في دهاليز الاقتصاد والأسواق العالمية حتى وصلنا إلى هنا؟
القصة تبدأ من الورقة التي لا يراها المسافر، لكنها تثقل كاهل شركة الطيران ألا وهي بوليصة التأمين. منذ اللحظة الأولى للتصعيد العسكري في المنطقة، تحول الطيران فوق أجواء الشرق الأوسط أو حتى بالقرب منها إلى ما يشبه دخول منطقة حمراء. شركات التأمين العالمية، وفي مقدمتها “لويدز” لندن، أعادت على الفور تسعير المخاطر المرتبطة بأي رحلة تمر في ممرات جوية توصف الآن بأنها “مناطق نزاع نشطة”.
وتظهر الأرقام حجم الصدمة المالية التي تلقتها شركات الطيران. فبحسب أرقام وتقارير اطّلع عليها “لبنان24″، تم فرض ما يعرف بـ”قسط الحرب” على كل رحلة ذهاب وإياب تعبر المنطقة أو تحلق فوق أجواء دول بعينها. هذا القسط الإضافي وحده يتراوح ما بين ثلاثين وأربعين ألف دولار للطائرة ذات الممر الواحد ،وهي من طراز إيرباص A320 أو بوينغ 737، بينما يقفز الرقم بشكل صادم ليصل إلى ما بين 900 ألف ومليون دولار للرحلة الواحدة للطائرات العريضة التي تسير رحلات طويلة المدى بين آسيا وأوروبا وأميركا .
هذه التكلفة لم تكن موجودة في معادلات الربح والخسارة قبل شباط الماضي، واليوم باتت بنداً ثابتاً يدفع شهرياً. وبما أن شركات الطيران تعمل بهوامش ربحية ضئيلة أصلاً، فإن الطريقة الوحيدة لامتصاص هذه الصدمة هي تمريرها إلى سعر التذكرة النهائية الذي يدفعه المسافر. وبالتالي، إذا زادت كلفة تشغيل المقعد الواحد، وجب أن يرتفع سعره وإلا توقفت الرحلة.
العقدة الثانية الذي ضاعفت الأزمة هي تغيير مسارات الطيران.
في الأوقات الطبيعية، تفضل شركات الطيران الخط المستقيم بين نقطتين، لأنه الأقصر والأقل استهلاكاً للوقود. لكن منذ بدء التصعيد، أصدرت هيئات تنظيم الطيران المدني في عدة دول، ومن بينها الهند على سبيل المثال، تحذيرات صارمة لشركات الطيران بتجنب أجواء 9 مناطق في المنطقة، من بينها لبنان وإيران والعراق وإسرائيل ودول الخليج الرئيسية .
هذا يعني أن الطائرة التي كانت تنطلق من دلهي متجهة إلى لندن، أو من دبي إلى نيويورك، باتت مضطرة إلى سلوك طرق ملتوية تطير جنوباً نحو شبه الجزيرة العربية ثم تصعد عبر البحر الأحمر ومصر، أو تأخذ منحى شمالياً عبر بحر قزوين وتركيا.
هذا الالتفاف يضيف ما لا يقل عن ساعة إلى ساعتين من زمن الطيران الإضافي. ومع كل دقيقة إضافية في الجو، تحرق الطائرة وقوداً أكثر، وهذا الوقود تحديداً هو محور المعضلة الثالثة والأكثر إيلاماً.
هنا نصل إلى بيت القصيد: الوقود.
الحرب التي تدور رحاها الآن في الشرق الأوسط ليست حرباً على الحدود فقط، بل هي حرب على ممرات الطاقة العالمية. المضيق الأهم في العالم، مضيق هرمز، الذي تمر عبره يومياً نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، تحول إلى نقطة توتر قصوى.
وللمفارقة، حتى بعد الإعلان عن هدنة في لبنان وعودة الملاحة في هرمز (الذي هو مغلق اليوم مجددا بسبب الحصار البحري الاميركي)، ظلَّ سعر وقود الطائرات “الكيروسين” مرتفعاً بشكل غير متناسب مع أسعار النفط الخام.
لكن لماذا؟ لأن المصافي التي تنتج هذا النوع الممتاز من الوقود تحتاج إلى استقرار لتعمل بكامل طاقتها.
التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الأوروبية تؤكد أن العديد من المطارات الكبرى في أوروبا حذرت من أنها على بعد ثلاثة أسابيع فقط من أزمة نقص حادة في وقود الطائرات إذا استمر تعطل سلاسل التوريد. والسبب ببساطة أن خط الأنابيب الرئيسي الذي يغذي مطارات مثل فرانكفورت وأمستردام وبروكسل يعتمد بشكل شبه كامل على النفط المكرر الآتي من الشرق الأوسط.
ولقد وصل الهلع بالاتحاد الأوروبي إلى درجة دفعه للتحرك بشكل عاجل لوضع خطط لتنويع مصادر وقود الطائرات، والاتجاه لاستيراد كميات أكبر من السوق الأميركية البعيدة والمكلفة شحنها، بدلاً من الاعتماد على الجار القريب الملتهب .
ماذا يعني كل هذا للمسافر؟
المعادلة الاقتصادية واضحة: تكلفة تشغيل الرحلة = (قسط تأمين الحرب) + (ساعات طيران أطول) + (وقود بسعر أزمة). الحصيلة النهائية لهذه المعادلة هي أن شركة الطيران لم تعد قادرة على تسيير نفس العدد من الرحلات بنفس الأسعار القديمة. بعض الشركات قلصت رحلاتها إلى وجهات قريبة من مناطق التوتر، وبعضها الآخر أوقف خطوطاً كاملة لأنها ببساطة أصبحت غير مربحة.
وسط هذه المعادلة، يؤكّد خبير اقتصادي لـ”لبنان24” أنّنا أمام “عاصفة كاملة”، إذ يشرح:” تراجع عدد المقاعد المعروضة في السوق، مقترناً بارتفاع جنوني في كلفة المقعد الواحد، يؤدي بالضرورة إلى رفع الأسعار. السوق هنا يعمل بمنطق العرض والطلب الكلاسيكي، لكن بمنحى مأسوي، فما هو ظاهر أنّ الطلب على السفر لا يزال موجوداً، خصوصاً مع حركة النزوح والإجلاء ورجال الأعمال المضطرين للحركة، بينما العرض من الرحلات يتآكل يوماً بعد يوم.”
الخلاصة أن المسافر ، سواء كان سائحاً أو رجل أعمال، سيتحمل فاتورة هذه الحرب من جيبه الخاص، مترجمة بأرقام موجعة على فاتورة تذكرة الطيران.
القصة تبدأ من الورقة التي لا يراها المسافر، لكنها تثقل كاهل شركة الطيران ألا وهي بوليصة التأمين. منذ اللحظة الأولى للتصعيد العسكري في المنطقة، تحول الطيران فوق أجواء الشرق الأوسط أو حتى بالقرب منها إلى ما يشبه دخول منطقة حمراء. شركات التأمين العالمية، وفي مقدمتها “لويدز” لندن، أعادت على الفور تسعير المخاطر المرتبطة بأي رحلة تمر في ممرات جوية توصف الآن بأنها “مناطق نزاع نشطة”.
وتظهر الأرقام حجم الصدمة المالية التي تلقتها شركات الطيران. فبحسب أرقام وتقارير اطّلع عليها “لبنان24″، تم فرض ما يعرف بـ”قسط الحرب” على كل رحلة ذهاب وإياب تعبر المنطقة أو تحلق فوق أجواء دول بعينها. هذا القسط الإضافي وحده يتراوح ما بين ثلاثين وأربعين ألف دولار للطائرة ذات الممر الواحد ،وهي من طراز إيرباص A320 أو بوينغ 737، بينما يقفز الرقم بشكل صادم ليصل إلى ما بين 900 ألف ومليون دولار للرحلة الواحدة للطائرات العريضة التي تسير رحلات طويلة المدى بين آسيا وأوروبا وأميركا .
هذه التكلفة لم تكن موجودة في معادلات الربح والخسارة قبل شباط الماضي، واليوم باتت بنداً ثابتاً يدفع شهرياً. وبما أن شركات الطيران تعمل بهوامش ربحية ضئيلة أصلاً، فإن الطريقة الوحيدة لامتصاص هذه الصدمة هي تمريرها إلى سعر التذكرة النهائية الذي يدفعه المسافر. وبالتالي، إذا زادت كلفة تشغيل المقعد الواحد، وجب أن يرتفع سعره وإلا توقفت الرحلة.
العقدة الثانية الذي ضاعفت الأزمة هي تغيير مسارات الطيران.
في الأوقات الطبيعية، تفضل شركات الطيران الخط المستقيم بين نقطتين، لأنه الأقصر والأقل استهلاكاً للوقود. لكن منذ بدء التصعيد، أصدرت هيئات تنظيم الطيران المدني في عدة دول، ومن بينها الهند على سبيل المثال، تحذيرات صارمة لشركات الطيران بتجنب أجواء 9 مناطق في المنطقة، من بينها لبنان وإيران والعراق وإسرائيل ودول الخليج الرئيسية .
هذا يعني أن الطائرة التي كانت تنطلق من دلهي متجهة إلى لندن، أو من دبي إلى نيويورك، باتت مضطرة إلى سلوك طرق ملتوية تطير جنوباً نحو شبه الجزيرة العربية ثم تصعد عبر البحر الأحمر ومصر، أو تأخذ منحى شمالياً عبر بحر قزوين وتركيا.
هذا الالتفاف يضيف ما لا يقل عن ساعة إلى ساعتين من زمن الطيران الإضافي. ومع كل دقيقة إضافية في الجو، تحرق الطائرة وقوداً أكثر، وهذا الوقود تحديداً هو محور المعضلة الثالثة والأكثر إيلاماً.
هنا نصل إلى بيت القصيد: الوقود.
الحرب التي تدور رحاها الآن في الشرق الأوسط ليست حرباً على الحدود فقط، بل هي حرب على ممرات الطاقة العالمية. المضيق الأهم في العالم، مضيق هرمز، الذي تمر عبره يومياً نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، تحول إلى نقطة توتر قصوى.
وللمفارقة، حتى بعد الإعلان عن هدنة في لبنان وعودة الملاحة في هرمز (الذي هو مغلق اليوم مجددا بسبب الحصار البحري الاميركي)، ظلَّ سعر وقود الطائرات “الكيروسين” مرتفعاً بشكل غير متناسب مع أسعار النفط الخام.
لكن لماذا؟ لأن المصافي التي تنتج هذا النوع الممتاز من الوقود تحتاج إلى استقرار لتعمل بكامل طاقتها.
التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الأوروبية تؤكد أن العديد من المطارات الكبرى في أوروبا حذرت من أنها على بعد ثلاثة أسابيع فقط من أزمة نقص حادة في وقود الطائرات إذا استمر تعطل سلاسل التوريد. والسبب ببساطة أن خط الأنابيب الرئيسي الذي يغذي مطارات مثل فرانكفورت وأمستردام وبروكسل يعتمد بشكل شبه كامل على النفط المكرر الآتي من الشرق الأوسط.
ولقد وصل الهلع بالاتحاد الأوروبي إلى درجة دفعه للتحرك بشكل عاجل لوضع خطط لتنويع مصادر وقود الطائرات، والاتجاه لاستيراد كميات أكبر من السوق الأميركية البعيدة والمكلفة شحنها، بدلاً من الاعتماد على الجار القريب الملتهب .
ماذا يعني كل هذا للمسافر؟
المعادلة الاقتصادية واضحة: تكلفة تشغيل الرحلة = (قسط تأمين الحرب) + (ساعات طيران أطول) + (وقود بسعر أزمة). الحصيلة النهائية لهذه المعادلة هي أن شركة الطيران لم تعد قادرة على تسيير نفس العدد من الرحلات بنفس الأسعار القديمة. بعض الشركات قلصت رحلاتها إلى وجهات قريبة من مناطق التوتر، وبعضها الآخر أوقف خطوطاً كاملة لأنها ببساطة أصبحت غير مربحة.
وسط هذه المعادلة، يؤكّد خبير اقتصادي لـ”لبنان24” أنّنا أمام “عاصفة كاملة”، إذ يشرح:” تراجع عدد المقاعد المعروضة في السوق، مقترناً بارتفاع جنوني في كلفة المقعد الواحد، يؤدي بالضرورة إلى رفع الأسعار. السوق هنا يعمل بمنطق العرض والطلب الكلاسيكي، لكن بمنحى مأسوي، فما هو ظاهر أنّ الطلب على السفر لا يزال موجوداً، خصوصاً مع حركة النزوح والإجلاء ورجال الأعمال المضطرين للحركة، بينما العرض من الرحلات يتآكل يوماً بعد يوم.”
الخلاصة أن المسافر ، سواء كان سائحاً أو رجل أعمال، سيتحمل فاتورة هذه الحرب من جيبه الخاص، مترجمة بأرقام موجعة على فاتورة تذكرة الطيران.

