أعاد الاتفاق الأميركي-الإيراني إدخال الملف اللبناني إلى دائرة الاهتمام، لكنه لم يحسم الإشكالية الأساسية التي ستطبع المرحلة المقبلة، والتي يُخشى أن تفجّر المفاوضات عن بكرة أبيها: أي خطوة يجب أن تأتي أولًا؟ هل يكون الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب مدخلًا للبحث في ترتيبات الأمن والسلاح، أم أن المطلوب من “حزب الله” تقديم تعهدات مسبقة قبل أي انسحاب واضح؟
عند هذه النقطة تحديدًا تتعقد المعادلة اللبنانية وتبدو عالقة في حلقة يصعب الخروج منها. فمنذ اللحظة الأولى، ظهر أن وقف النار، على أهميته، لا يكفي وحده لإقفال الحرب. صحيح أن تراجع العمليات يخفف الضغط عن الجنوب ويفتح باب العودة التدريجية إلى السياسة، إلا أن المشكلة الحقيقية انتقلت إلى ترتيب الالتزامات. فكل طرف يريد أن يبدأ الآخر، وكل طرف يخشى أن يقدم خطوة مجانية لا يقابلها التزام فعلي على الأرض.
لهذا، يجد لبنان نفسه مرّة أخرى أمام مأزق دقيق رغم كلّ الوعود. الدولة تريد تثبيت موقعها بوصفها الجهة الرسمية المعنية بالتفاوض وتنفيذ أي تفاهم، لكنها لا تملك وحدها القدرة على ضبط كل عناصر المعادلة. الحزب يربط أي نقاش داخلي بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها. إسرائيل، في المقابل، تحاول أن تجعل الانسحاب نتيجة نهائية لمسار طويل، لا خطوة أولى تسمح بإعادة ترتيب الوضع جنوبًا.
معادلة إسرائيل: الانسحاب كجائزة
تتعامل إسرائيل مع المرحلة الراهنة بوصفها فرصة لإعادة صياغة قواعد المواجهة مع لبنان. فهي لا تريد أن يظهر وقف إطلاق النار كعودة إلى ما قبل الحرب، ولا تريد أن تنسحب من المواقع التي تقدمت إليها من دون الحصول على ثمن سياسي وأمني واضح. لذلك، تحاول تل أبيب أن تربط أي تراجع ميداني بملف سلاح “حزب الله”، وبضمانات تمنع عودة الحزب إلى المناطق الحدودية.
من هذا المنطلق يمكن تفسير العمليات الواسعة التي يشنها الجيش الاسرائيلي في الجنوب.
هذا المنطق يضع لبنان أمام معادلة شديدة الصعوبة. فالانسحاب الإسرائيلي، وفق القراءة اللبنانية، يجب أن يكون مدخلًا لأي تهدئة فعلية، لأنه يعيد تثبيت الحدود ويمنح الدولة مساحة أوسع للتحرك. أما حين يتحول الانسحاب إلى ورقة مشروطة، فإن إسرائيل تكون عمليًا قد أبقت لنفسها هامش ضغط دائمًا، تستطيع استخدامه كلما تعثر المسار السياسي أو الأمني، وبالتالي تشرّع لنفسها احتلال المزيد من الأراضي عشية كل مسار سياسي.
الأخطر أن هذا الربط يسمح لإسرائيل بإبقاء الحرب معلقة ولو تراجعت وتيرتها. فهي تستطيع أن تقول إن المشكلة لم تُحل لأن السلاح لا يزال موجودًا، وأن بقاءها العسكري أو استمرار ضرباتها يدخل ضمن منطق منع التهديد. بهذه الطريقة، يتحوّل وقف النار إلى محطة في مسار ضغط مفتوح، قد يتبدل شكله من الغارات الواسعة إلى العمليات المحدودة والإنذارات والتهديدات.
مأزق الداخل: بين الانسحاب والسلاح
في الداخل اللبناني، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فـ”حزب الله” لا يريد أن يدخل في أي نقاش حول سلاحه تحت ضغط النار أو الوجود الإسرائيلي. بالنسبة إليه، البحث في مستقبل الجنوب لا يمكن أن يبدأ طالما أن إسرائيل لا تزال تحتل نقاطًا لبنانية وتواصل عدوانها. من هنا، يصبح الانسحاب بالنسبة إلى الحزب شرطًا سياسيًا ومعنويًا قبل أي بحث آخر، حتى لو جرى تسويقه خارجيًا بوصفه نتيجة للمفاوضات لا شرطًا مسبقًا.
من جهتها، تتحرك الدولة في مساحة ضيقة. فهي تحتاج إلى انسحاب إسرائيلي كي تثبت أن خيار التفاوض قادر على إنتاج نتائج، وتحتاج في الوقت نفسه إلى طمأنة الخارج بأن لبنان لن يعود إلى الصيغة السابقة نفسها. لكن هذه المهمة تصطدم بواقع داخلي حساس، إذ إنّ أي ضغط مباشر على الحزب قبل حصول انسحاب واضح قد يُنظر إليه كتنفيذ لشروط إسرائيلية، وأي تأجيل كامل لملف السلاح قد يمنح إسرائيل ذريعة لإطالة وجودها وتصعيدها.
هنا تتضح خطورة الدائرة المقفلة. إسرائيل تقول إن الانسحاب مرتبط بسلاح الحزب، فيما يقول الحزب إن النقاش يبدأ بعد الانسحاب. أما الدولة فتقول إنها تريد الاثنين معًا. وبين هؤلاء جميعًا، يقف النازح الذي لا ينتظر صيغة تفاوضية بقدر ما ينتظر طريقًا آمنًا إلى بلدته، وبيتًا يمكن العودة إليه، وسماء لا تحضر فيها المسيّرات كتهديد دائم. لذلك، فإن أي اتفاق لا يترجم بسرعة إلى أمن ملموس سيبقى في نظر الناس ناقصًا، مهما كانت أهميته السياسية.
تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة واشنطن على ضبط حليفتها إسرائيل، وقدرة طهران على ترجمة وعودها لحلفائها، وقدرة الدولة اللبنانية على استعادة المبادرة من داخل هذا الاشتباك الواسع. لذلك، قد لا يكون التحدي في الوصول إلى اتفاق إضافي، إنما في ترتيب الخطوة الأولى، لأن أي خلل في التوقيت قد يفجر التفاهم بدل أن يثبته. ففي لبنان، كثيرًا ما يبدأ التعطيل من السؤال البسيط نفسه: من يخطو أولًا؟