منذ تأسيس الأمم المتحدة في أربعينيات القرن الماضي، صدر العديد من القرارات بشأن الحروب العربية – الإسرائيلية . أما بشأن لبنان، فكانت هناك قرارات خاصة به، لاسيما القرار 425 الصادر عام 1978 والذي حضّ إسرائيل على الانسحاب من لبنان بعد احتلال جزء من جنوبه آنذاك.
اليوم، يتكرر سيناريو الاحتلال ذاته، فإسرائيل تتعمق في الداخل اللبناني وسط حديث عن سعيها لإقامة منطقة عازلة دائمة، ما يعني سلخ أراضٍ لبنانية من مساحة البلاد وجعلها فارغة من سكانها. في الواقع، فإن الاحتلال الذي تفرضهُ إسرائيل على أرضٍ لبنانيَّة سينتهي عاجلاً أم آجلاً، فالبقاء الإسرائيلي على أرض لبنانية لن يكون مقبولاً بتاتاً، إذ أن أرض الجنوب ستتحول إلى بؤرة صراعٍ مستمرة بسبب ذلك، والتجربة الممتدة بين عام 1985 و2000، حينما أقامت إسرائيل “شريطاً أمنياً” في جنوب لبنان شاهدة على ذلك.
فعلياً، فإنَّ التجربة هي التي تحكمُ الميدان، في حين أنّ إسرائيل تعي ذلك تماماً انطلاقاً من خسائرها في لبنان طيلة المدة التي مكثتها في جنوب لبنان. لكن في المقابل، فإن هناك عوامل أخرى كانت تؤمن ظروف التوتر الدائم في الجنوب، فالاحتلال جاء بعد اجتياح كبير عام 1982، في حين أن لبنان كان مُضطرباً وبروز جماعات المواجهة ضد إسرائيل اكتسب تأييداً واسعاً آنذاك وسط وجود دعمٍ مفتوح من سوريا آنذاك داخل لبنان.
حينها، كان لبنانُ بجزء كبير منه يؤيد ما يقومُ به “حزب الله” على اعتبار أنه كان فصيلاً “محدود القوة” ويمارس عمليات ميدانية جاءت نتيجة اجتياح واحتلال، ونشاطه الميداني أعطاه ثقة في الداخل لمواصلة مهامه، والدليل على ذلك عدم تجريده من سلاحه في اتفاق الطائف عام 1989 أسوة بالميليشيات الأخرى عقب انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.
لكن، وبعد العام 2000، تاريخ انسحاب إسرائيل من لبنان، كان على “حزب الله” التنازل عن سلاحه، لكنه احتفظ به لـ”حروب آتية” خاضها فعلاً. لو حصل ذاك التسليم آنذاك بعد الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط في حينها، لكان لبنان اكتسبَ قدرة على بناء نفسه بعد حرب وتحرير، وبالتالي كانت تجربة إسرائيل قبل الانسحاب ستبقى شاخصة وماثلة أمامها وتؤكد خطورة أي توغل في لبنان، خصوصاً أن “الحزب” حينها لم يكن لديه ترسانة كبيرة.
اليوم، وبعد 26 عاماً، تستغل إسرائيل التطور التكنولوجي والتصاعد الكبير بترسانتها العسكرية لتكريس وجودها في لبنان، كما أن حراكها وخططها للبقاء في الجنوب يبدو أنها تختلف تماماً عما كان سائداً سابقاً. وفي الواقع، لا يُمكن لأي طرف أن يتكهّن بما تفكر به إسرائيل في الداخل، لكن الميدان يكشف عن مخطط أمني قد لا يكون على غرار الشريط الذي أقامته عام 1985 لغاية العام 2000. وضمنياً، فإن إسرائيل لا تحتاج إلى معابر في الجنوب لضبط الحركة ولا تحتاج إلى الكثير من المواقع الموالية لها أو الخاضعة لإدارتها لتكريس الرقابة، فالأجواء عبر الطائرات المُسيّرة محكومة، بينما الذكاء الاصطناعي في الميدان العسكري يلعبُ دوراً كبيراً، فيما بنك الأهداف رُصِد من دون احتلال ميداني أو برّي.
وعليه، اختلفت لعبة الميدان منذ 40 عاماً وحتى اليوم، في حين أن التفاوت بالقدرات العسكرية كبير جداً، ما يعني أن إنهاء الحرب الدائمة بات واجباً، لأن لبنان ليس لديه القدرة اليوم على مواجهة التكنولوجيا الإسرائيلية التي تحكم مسار الصراع. بكل بساطة، يمكن لأي فرد في لبنان أن يعيق تقدم “رتل دبابات” في منطقة مدنية عبر قذيفة واحدة، ولكن، هل بإمكانه إحباط المسيرات؟ هل بالإمكان وقف الرصد التقني والتكنولوجي والرقابة الخفية؟ هل بالإمكان وقف الحرب النفسية والخروقات العسكرية المتجذرة؟
العمل الميداني التقليدي يتحقق عند وجود قوات مُحتلة على الأرض، وهو سيؤدي دوره بشكل كبير وسيكونُ موجعاً استناداً لمبادئ حرب العصابات، كون الجيش الإسرائيلي سيواجه جماعات غير منظمة ستخوض معارك ضد جيش نظامي. لكن في المقابل، فإن القدرات العسكرية الكبرى لا يمتلكها لبنان، بينما ما يحصل اليوم هو إطلاق صواريخ، مسيرات، لإرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فيما المواجهات الميدانية التي تحصل ترتبطُ بحرب تقليدية. أما الوصول إلى مرحلة مواجهة القدرات بالقدرات (قدرات vs قدرات)، فهي لم تتحقق، وهنا الثغرة الكبيرة.
إذاً، ما هي الخطوات التي بإمكانها المساهمة، ولو جزئياً، في مواجهة الإحتلال وإنهاء الحرب المستمرة؟ مثلما لجأ لبنان إلى مجلس الأمن الدولي عام 1978 لإصدار القرار 425، ومثلما تدخل المجلس ذاته خلال حرب تموز عام 2006 لوقف الصراع اللبناني – الإسرائيلي عبر إصدار القرار 1701، وجُب اليوم مُجدداً وفي ظل الحرب الحالية، الضغط باتجاه صدور قرار جديدٍ يمزج بين القرارين الأممين المذكورين، بالإضافة إلى تبنيه اتفاقية الهدنة عام 1949 والتي ساهمت بإرساء هدنة فعلية بين لبنان وإسرائيل وهي حل فعلي لإنهاء الصراع. أما الحديث عن اتفاقيات ثنائية كتلك التي حصلت بين لبنان وإسرائيل كتلك التي حصلت عام 2024 من دون قرار أممي يضمنها، فسيكون هدراً للوقت وبمثابة إطالة لأمد الصراع. وعليه، يكمن الحل في “تدويل حرب لبنان” وجعل نهايتها الدائمة مرهونة بقرارات أممية مرتبطة بإشراف ومعاهدات تشرف عليها دول كبرى، مع تعهد لبنان بوقف استخدام أراضيه لشن هجمات ضد إسرائيل، وهو أمر وافق عليه لبنان أصلاً منذ العام 1949، وهو ليس جديداً.
النقطة الأهم التي يجبُ تبنيها في أي قرار أممي هو التشديد على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وإلزام تل أبيب على العودة إلى حدود ما قبل 7 تشرين الأول 2023، أي الانسحاب الكامل مع الخروج من النقاط الخمس التي تم احتلالها داخل الأراضي اللبنانية، أسوة بالقرار 242 الذي صدر في تشرين الثاني 1967 والذي جاء في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في حزيران 1967. هذا القرار شدد على نقطة محورية وهي انسحاب إسرائيل مقابل السلام، والأمر نفسه يجب تطبيقه في لبنان وطرحه خلال أي تفاوض، وبالتالي عدم التنازل عن هذا المبدأ بتاتاً.

