ثانيًا: من جهة مريم، يلحظ النص اضطرابها واستفسارها عن كيفية ما جاءها من عند الرّب، فاستدعى التفسير. غير أن الاضطراب بحدّ ذاته، يحيلنا إلى شعور الإنسان بالفارق الجذري أمام حضور الله وتجلّياته؛ إنه الفارق بين كياننا المحدود وكيانه اللامتناهي، بين يطرحه علينا وما نحن عليه. من منظور فلسفي- روحي، يمكن الاستعانة هنا بفكر الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد (1813-1855) لنقرأ البشارة كلحظة «توترٍ وجودي» و«ثقة فريدة»،يُطلب فيها من الإنسان قرارٌ إيمانيّ يتجاوز مساحة فهمه المحدودة، ويحقّقُعبره «قفزة الإيمان» نحو غور الله المُطلق. ولقد أدركت مريم غاية هذا اللقاء، فأعطت جوابها: «ها أنا أَمة الرب، ليكن لي بحسب قولك»، جوابٌ جذوره راسخة في العهد القديم أيضًا، بخاصة حيث يتكلّم على دعوة الله وطاعته كما فعل إبراهيم، وصموئيل، وإشعيا، وحنّة، وغيرهم. إنه إعلان تسليم كامل لمشيئة الله، وثقة تامّة بوعوده. في هذا السياق، نجد في فكر آباء الكنيسة، بخاصة عندمكسيموس المعترف (580-662)، رؤيةً أنطولوجية تقوم على «التآزر»Synergeia)) الكامل بين المشيئة الإلهية والإرادة البشرية؛ رؤية تُفهمنا كيف صارت مريم نموذجَ هذا التآزر بامتياز. فجوابها: “ليكن لي بحسب قولك”، لم يكن خضوعًا سلبيًا، بل موقفًا حرًّا منسجمًا مع القصد الإلهي كُسِرَت فيهحتميّة الطبيعة الساقطة، ليحلّ محلّها فيضُ النعمة الرافعة للمحدود، فيتّسع للّامحدود. ويطرح هذا الحدث سؤالًا عميقًا: كيف يمكن للإنسان أن يظل حرًا في قراره، بينما ينسجم مع قصد الله في أعظم سرّ، سرّ التجسّد؟ الجواب يكمن في أن الله خلق الإنسان ليشركه في طبيعته الإلهيّة وفق «قصد غائي» سابق. وعليه، تغدو البشارة إعلانًا بأنّ مريم، باستجابتها الحرّة، لم تُظهر نموذجًا فحسب، بل حققت الغاية من وجودنا: أن نصير آلهة بالنعمة كما هو الله إله بالطبيعة.
لقد استلهم لوقا إذًا في نص البشارة لاهوت الدعوة، والحرية، والنعمة، من ينابيعه الكتابية، غير أنّ نصّه تجاوز أفق لاهوت العهد القديم، لأنّ ما سيحقّقه روح الله في الممتلئة نعمة لا يشكّل نعمة إضافية فحسب، بل نعمة الاتّحاد العظمى بين الله والبشر، أصل كل النِّعم، كما يؤكّد توما الأكويني. أوَلم تقل مريم: «إنّ القدير صنع بي عظائمَ»؟ فأيّة عظائم يمكن أن تفوق سرّ التجسّد، ذاك الحدث الذي بلغ فيه اقتراب الله من الإنسان حدّه الأقصى بالمسيح يسوع؟
أخيرًا يمكن قراءة نصّ البشارة في ضوء فكر اللاهوتي السويسري هانس أورس فون بالتزار، (1905-1988) الذي سلّط الضوء على البُعد الدرامي-الجمالي للتجسد، وأظهر كيف أنّ التآزر بين الله والإنسان، الذي ذكرناه آنفًا، يتحقّق فيه بصورة استثنائية. فالتجسّد، كدراما جمالية، يبيّن حضور الله في التاريخ بوجه مرئي جذّاب، أي وجه المولود من مريم. من هذا المنطلق، يشكّل نصّ البشارة ذروة لقاء الإنسان المحدود باللامحدود في إطار جمالي فائق يحقق الله فيه غايته التدبيريّة على مسرح الوجود. فالله في التجسّد لا يفرض نفسه على الإنسان عنوةً، بل يقدّم ذاته هبةً ونعمةً، ويدعوه إلى المشاركة الحرّة في عمل خلاصه. وفي ضوء مفهوم الدراما اللاهوتية والاتحاد الأقنومي، تصبح البشارة أكثر من مجرد حدث تاريخي؛ إذ إنّها تجسيد حيّ لإرادة الله، ودعوة للإنسان إلى الاستجابة بحرّية. وعليه، تغدو “نَعم” مريم المسرح الدرامي الذي يسطع فيه بهاء الله، وحيث يجذب الخالق خليقته ويحرّرها، فتصبح شريكة فاعلة في صياغة أجمل عهد حب بين الله والبشر.
خاتمة
كيفما قاربنا نصّ البشارة، يبقى فيه من السرِّ ما يفوق إدراكنا؛ ألم يعبّر بولس الرسول عن ذلك بقوله: «يا لَعُمقِ غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص وطُرقه عن الاستقصاء!» (روما 11: 33). في البشارة، أضحت مريم ذاك «المُختَبَر» الإلهي الذي تحقّقت فيه وحدة الله مع البشر؛ ولا مغالاة في القول إنه لم يُرسَل، ولن يُرسَل ملاكٌ قط، في مهمّة كالتي جاء بها جبرائيل إلى مريم. وكيف لا نستشعر مع القديس برناردوس رهبة اللحظة ونقول: «أسرعي بالإجابة أيتها العذراء المجيدة، فالعالم كلّه يحبس أنفاسه بانتظارك»؟! وأمام جوابها للملاك، نهتف مع القديس ألفونس دي ليغوري ونقول: «لو جَمع الملائكة والقديسون حكمتهم وفكروا لملايين السنين، لما وجدوا جواباً أسمى من هذا الجواب». إنها “مبالغة المحبّة” أمام حدث البشارة والتجسّد، حيث يتألّق جمال النعمة الإلهية وبهاؤها، فنُترَك في صمتٍ وذهولِِ تحت وطأة السرّ المقدس…سّرٌتآزرت فيه الحرية البشرية مع نعمة الله، فترمَّم به وجه الخليقة كلّها.
المصدر: Lebanon24
صـدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الـدّاخلي ـ شعبة العـلاقات العـامّة البلاغ التّالي: في إطار…
أعلن "حزب الله"، أنّه "استهدف تجمّعًا لجنود إسرائيليين وآليات للجيش الإسرائيليّ في محيط معتقل الخيام…
صادق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير على أهداف عسكريّة جديدة في…
حدود لبنان في القاسمية.. ما القصة؟ View this post on…
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد البشارة في كنيسة السيدة في…
صادمًا لكثيرين بدا قرار سحب اعتماد السفير الإيراني المعيّن في بيروت ومنحه مهلة للمغادرة، في…