15 مارس 2026, الأحد

مع دخول الحرب أسبوعها الثالث: الفجوة تتسع بين رواية الحسم وواقع الميدان

Doc P 1497327 639091699494669673
مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تبدو المنطقة أمام مواجهة مفتوحة تتجاوز إطار الاشتباك العسكري التقليدي. فالمعركة التي اندلعت في سياق إقليمي شديد التوتر سرعان ما تحولت إلى صراع واسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالرسائل السياسية والاقتصادية، مع انخراط قوى دولية وإقليمية بدرجات مختلفة. ومع استمرار العمليات واتساع تداعياتها، لم يعد النقاش يقتصر على ما يجري في الميدان فحسب، بل بات يدور أيضاً حول طبيعة هذه الحرب وحدودها الفعلية، وما إذا كانت تسير نحو احتواء تدريجي أم نحو مرحلة أكثر تصعيداً.

في هذا السياق، تتوالى التصريحات الصادرة عن “تل أبيب” وواشنطن متحدثةً عن إنجازات عسكرية كبيرة وعن إضعاف شبه كامل للقدرات الإيرانية، في حين يؤكد وزير الحرب الإسرائيلي نفسه أن المعركة تتجه نحو مزيد من التصعيد. هذا التباين بين خطاب سياسي يتحدث عن حسم المعركة، ومسار ميداني يوحي باستمرارها وتوسعها، يعكس الفجوة القائمة بين الرواية المعلنة عن الحرب وبين واقعها العملياتي على الأرض.

عملياً، تبدو الحرب وكأنها تُدار على مستويين متوازيين؛ مستوى إعلامي تتكاثر فيه التصريحات اليومية التي تتحدث عن إنجازات حاسمة وانتصارات متتالية، ومستوى ميداني أكثر تعقيداً تكشفه طبيعة العمليات العسكرية وحجم القوة التي جرى حشدها منذ بداية المواجهة. فالمعركة لم تقتصر على إمكانات محدودة، بل شاركت فيها قدرات عسكرية ضخمة من الجو والبحر، استخدمت فيها أسلحة بعيدة المدى ومنظومات قتالية متطورة، في واحدة من أوسع عمليات الحشد العسكري التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.

غير أن ما كشفته الوقائع الميدانية بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع المواجهة يبدو مختلفاً عمّا تعكسه البيانات الرسمية. فالنظام السياسي في طهران ما زال متماسكاً ولم تظهر مؤشرات على انهيار داخلي، بل جرى احتواء بعض الملفات الحساسة المرتبطة بمستقبل القيادة من دون اضطرابات تُذكر. كما تعرّض الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لسلسلة ضربات طالت عدداً من القواعد المنتشرة في الشرق الأوسط، بعضها بشكل مباشر وبعضها عبر استهداف البنية التشغيلية المحيطة بها. وفي المقابل، واصلت إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل ومواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي في المنطقة، في مؤشر إلى أن قدراتها العملياتية ما زالت حاضرة في الميدان، رغم الخطاب السياسي الاميركي الذي تحدث منذ الأيام الأولى للحرب عن القضاء على قوتها العسكرية.

وفي تطور بالغ الحساسية، أعلنت طهران إغلاق مضيق “هرمز”، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. ولم يقتصر هذا القرار على خطوة مرتبطة بسير العمليات العسكرية، بل تحوّل سريعاً إلى ورقة ضغط ذات تأثير دولي، إذ إن تعطيل الملاحة في المضيق ينعكس مباشرة على تدفق النفط والغاز وعلى سلاسل الإمداد العالمية، ما نقل تداعيات الحرب من حدود الميدان العسكري إلى قلب الاقتصاد العالمي.

من هنا، فإن كل التطورات لم تبقَ محصورة في الميدان العسكري، بل بدأت آثارها تتسلل إلى الاقتصاد العالمي. فأسعار الطاقة ارتفعت بشكل حاد مع ازدياد المخاوف من استمرار إغلاق الممرات البحرية الحيوية، كما شهدت الأسواق المالية الأميركية خسائر كبيرة نتيجة انعدام الاستقرار. وفي الوقت نفسه تتزايد التكاليف اليومية للحملة العسكرية، بينما تتحدث تقارير إعلامية غربية عن استنزاف متسارع لبعض مخزونات الذخائر المتطورة لدى لولايات المتحدة الاميركية.

كل ذلك يقود إلى خلاصة مفادها أن الرهان الأولي على حسم سريع لم يتحقق. فالمواجهة التي كان من المتوقع أنها ستنتهي خلال أيام تحولت إلى حرب استنزاف ذات تداعيات إقليمية ودولية متزايدة. ويبدو أن التقديرات التي بُنيت عليها بداية الحملة لم تأخذ في الاعتبار حجم الاستعداد الإيراني ولا قدرة طهران على تحويل المعركة إلى صراع طويل يضغط على الاقتصاد العالمي ويخلط موازين القوى.

ويبقى السؤال المفتوح الآن هو مستقبل هذا المسار التصاعدي. فاستمرار إغلاق الممر البحري الحيوي يضع الولايات المتحدة أمام معضلة صعبة: إما فرض فتحه بالقوة مع ما قد يستتبعه ذلك من توسع كبير للحرب، أو البحث عن تسوية سياسية تعيد حركة التجارة من دون انفجار إقليمي شامل. وبين هذين الخيارين، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية قد تحدد شكل النظام الإقليمي وربما الاقتصادي العالمي في السنوات المقبلة.

 
المصدر: خاص لبنان 24

المصدر: Lebanon24