في ما يشبه السيناريو الافتراضي للمسار التفاوضي بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي في البنتاغون، وبرعاية أميركية، يمكن لكل محلل سياسي أن يتخيّل ما يدور بين هذين الوفدين من نقاشات وسجالات، وذلك اعتقادًا من الجميع بأن ما سيرشح عن هذه اللقاءات من معلومات رسمية لن يكون كافيًا لبناء أي نظرية جديدة في ما يمكن أن تؤول إليه المفاوضات، التي ستستأنف على المستوى السياسي في الخارجية الأميركية في 2 و3 حزيران المقبل.
ولذلك فإن أي سيناريو افتراضي من شأنه أن يؤدّي إلى استنتاجات طبيعية. ومن بين هذه السيناريوهات واحد ينطلق من معادلة واقعية يحملها معه الوفد الإسرائيلي، وهي معادلة تقوم على أن الميدان هو الذي يحدّد الخيارات، التي يمكن أن يطرحها الوفد اللبناني على طاولة المفاوضات.
مما لا شك فيه، وهذا بات أمرًا مؤكدًا، هو أن الجانب اللبناني لديه طرح وحيد، وهو استمرار خرق إسرائيل لاتفاقات وقف إطلاق النار، فيما سيردّ الجانب الإسرائيلي بأن “حزب الله” هو الذي بدأ بإطلاق الصواريخ الستة في 2 آذار الماضي “ثأرًا لاغتيال السيد على خامنئي”، مما يؤشّر إلى أنه كان طيلة سنة وثلاثة أشهر يعيد بناء قدراته القتالية، بعدما تبيّن أنه كان لا يزال يحتفظ بترسانته العسكرية في جنوب الليطاني، مدّعيًا بأن تقارير الجيش عن “تنظيف” المنطقة لم تكن دقيقة.
وعند هذه النقطة بالذات يمكننا تخيّل ردّة فعل الوفد اللبناني، الذي يتهم إسرائيل بأنها ومن خلال اعتداءاتها المتواصلة، هي التي أعاقت عمل الجيش وحالت دون قيامه بما طُلب منه القيام به بنسبة مئة في المئة.
وهذا النوع من السيناريوهات الافتراضية هو الأكثر واقعية، والتي يمكن استكمالها بما حاول الوفد الأميركي القيام به لتضييق شقة الخلاف بين الوفدين والنابع في الأساس من انعدام الثقة بين الطرفين.
لكنّ ما يجعل مفاوضات البنتاغون أكثر تعقيدًا، أنّها لا تنعقد فقط تحت سقف الخلاف اللبناني – الإسرائيلي التقليدي، بل في لحظة إقليمية تبدو فيها المنطقة كلها وكأنها تعيش على إيقاع “إعادة توزيع النفوذ” بين القوى الكبرى والمحاور المتصارعة. ولذلك، فإنّ ما يُطرح في واشنطن ليس محصورًا فقط بتقارير ميدانية أو خرائط عسكرية أو آليات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بل سيتجاوز ذلك إلى محاولة رسم التوازن الجديد في الجنوب اللبناني ضمن المعادلة الإقليمية الأوسع.
فالولايات المتحدة، التي تدخل هذه المفاوضات من موقع الراعي والضامن، تدرك أنّ إسرائيل تعتبر أنّ الحرب الأخيرة منحتها فرصة نادرة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع “حزب الله”، وربما مع لبنان كله. ومن هنا، فإنّ تل أبيب تدخل إلى الطاولة في محاولة لترجمة ما تعتبره “إنجازات ميدانية” إلى مكتسبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، سواء عبر تشديد الرقابة على جنوب الليطاني، أو عبر فرض ترتيبات أمنية تمنحها هامش تدخل أوسع عند أي تهديد مستقبلي.
وفي المقابل، يدخل الوفد اللبناني إلى هذا الامتحان تحت ضغط مزدوج: ضغط إسرائيلي يسعى إلى تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ما تعتبره تل أبيب “إخفاقًا” في تنفيذ الالتزامات الأمنية، وضغط داخلي يتمثل في ضرورة عدم الظهور بموقع المتنازل عن السيادة أو القابل بإعادة إنتاج شكل جديد من الوصاية الأمنية على الجنوب.
كما أنّ ما يقلق واشنطن فعليًا ليس فقط ملف الجنوب اللبناني بحد ذاته، بل مسألة الثقة بقدرة الدولة اللبنانية، وخصوصًا الجيش، على الإمساك الكامل بالوضع الميداني. فالتقارير الأميركية، التي تتقاطع مع جزء من التقييم الإسرائيلي، تتحدث عن فجوات لا تزال قائمة بين الالتزامات الرسمية اللبنانية والوقائع الميدانية، وهو ما سيجعل الوفد الأميركي أكثر تشددًا في طلب ضمانات عملية لا سياسية فقط.
ومن هنا، فإنّ طاولة البنتاغون قد تتحول إلى ما يشبه “غرفة اختبار” للدولة اللبنانية الجديدة. فهل هي قادرة فعلًا على الانتقال من موقع إدارة التوازنات الداخلية إلى موقع الدولة التي تحتكر قرار الأمن والحرب، أم أنّها لا تزال محكومة بسقف التوازنات نفسها التي حكمت لبنان منذ ما بعد عام 2006؟
وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن التطورات المتسارعة بين واشنطن وطهران. فالإدارة الأميركية تحاول إبقاء خطوط التفاوض مفتوحة مع الإيرانيين، ولو تحت النار، لمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة تهدد مصالحها الاستراتيجية في الخليج والممرات البحرية الدولية. ولذلك، فإنّ أي انفجار كبير في الجنوب اللبناني قد يطيح دفعة واحدة بكل المسارات التفاوضية المتشابكة، من الملف النووي الإيراني إلى ترتيبات الأمن البحري في الخليج.
أما إسرائيل، فتبدو وكأنها تستثمر في هذا التوتر الإقليمي لفرض أكبر قدر ممكن من الوقائع قبل الوصول إلى أي تفاهمات نهائية. فهي تدرك أنّ أي تهدئة أميركية – إيرانية قد تفرض عليها لاحقًا سقوفًا سياسية وعسكرية أكثر صرامة، ولذلك تحاول استباق الوقت بالميدان.
وفي العمق، قد يكون أخطر ما يواجه لبنان اليوم أنّه يدخل هذه المفاوضات من موقع الضعف لا القوة. فالدولة المنهكة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا تجد نفسها أمام طاولة تفاوض تُدار فيها ملفات تتعلق بسيادتها وحدودها وأمنها الداخلي، فيما هامش المناورة لديها محدود للغاية. وهذا ما يجعل أي خطأ في الحسابات، أو أي تصعيد ميداني مفاجئ، قادرًا على نقل لبنان من مرحلة التفاوض الهشّ إلى مرحلة الانفجار المفتوح مجددًا.
المصدر: Lebanon24