لم تكن الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت حدثًا عابرًا في سياق خروقات وقف إطلاق النار، وإن لم تكن هذه الخروقات قد بدأت معها. فمنذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، بقي الجنوب تحت ضغط الاعتداءات المتكررة، وبقي وقف النار هشًا، ناقصًا، ومفتوحًا على قراءات إسرائيلية واسعة لما تعتبره تل أبيب “تهديدات” أو “أهدافًا مشروعة”، حتى قيل إنّ الهدنة “محصورة” ببيروت والضاحية، التي ستبقى “محيَّدة” عن الاستهداف.
لهذه الأسباب، حملت ضربة الضاحية دلالة إضافية، فحتى لو أنها لم تشكّل الخرق الأول بالمطلق للاتفاق، لكنّها وسّعت دائرته الجغرافية والسياسية إلى حدّ بعيد. فاستهداف منطقة حارة حريك، بما تمثله من رمزية أمنية وسياسية في بيئة حزب الله، يعني أن إسرائيل أرادت رفع مستوى الرسالة، ونقل الضغط من الاستنزاف المتواصل في الجنوب إلى نقطة أشد حساسية في المشهد اللبناني العام.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الضربة عن المناخ السياسي الذي يحيط بملف التفاوض الذي بات يوصف بـ”الصعب” مع إسرائيل. فبين استمرار الخروقات، وتعثر بلورة موقف لبناني موحد، وارتفاع الضغوط الخارجية للدفع نحو مسار تفاوضي يبقى محور أخذ وردّ في الداخل مع إسرائيل، تبدو تل أبيب كأنها تستخدم الميدان لإعادة تشكيل شروط النقاش، ولفرض إيقاع جديد على الدولة وحزب الله في آن واحد.
ضربة تتجاوز بعدها الأمني
في الشكل، بدت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت عملية أمنية محددة، خصوصًا مع الحديث الإسرائيلي عن استهداف شخصية مرتبطة بقوة الرضوان، وكأنّ إسرائيل أرادت الإيحاء بأنّها “مبرّرة” بمنطق الاغتيالات. غير أن قراءة الحدث من زاويته الأمنية وحدها تبقى قاصرة. فالمكان والتوقيت يجعلان الضربة جزءًا من لعبة ضغط أوسع، تتصل بمرحلة ما بعد الحرب وبالسؤال عن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب والحدود.
فإسرائيل، التي لم تتوقف عن التعامل مع وقف إطلاق النار بصفته اتفاقًا قابلًا للتأويل الميداني، وجدت في الضربة فرصة لإرسال أكثر من رسالة. الرسالة الأولى موجّهة بلا شكّ إلى حزب الله، ومضمونها أن العمق الأمني والسياسي للحزب ليس خارج الحسابات الإسرائيلية، وأنّ قادته يبقون في دائرة الاستهدف، على كامل الجغرافيا اللبنانية. والرسالة الثانية إلى الدولة اللبنانية، ومفادها أن أي تأخير في التفاوض أو أي تمسك بشروط مسبقة سيقابله ضغط ميداني متدرج.
أما الرسالة الثالثة فتتصل بالداخل الإسرائيلي نفسه، إذ إنّ حكومة بنيامين نتنياهو تحاول أن تظهر أنها لم تمنح حزب الله هامشًا آمنًا بعد وقف إطلاق النار، وأنها ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة في عمق مناطق نفوذ الحزب، خصوصًا بعد تصوير وقف إطلاق النار “هزيمة” لإسرائيل طالما أنها لم تحقق أهدافها المعلنة في لبنان بعد. بهذا المعنى، تصبح الضربة جزءًا من خطاب الردع الإسرائيلي، بقدر ما هي جزء من الضغط على لبنان.
التفاوض على وقع الخروق
المفارقة أن الضربة جاءت في لحظة يزداد فيها الحديث عن التفاوض، وعن الشروط اللبنانية للدخول في أي مسار جدي. فلبنان الرسمي يربط أي تفاوض بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات ومعالجة النقاط العالقة، بينما تتصرف إسرائيل كأنها تريد عكس التسلسل: استمرار الضغط أولًا، ثم دفع لبنان إلى التفاوض ضمن ميزان قوى ميداني مختل. وهنا تكمن خطورة المرحلة. فالمشكلة ليست في وجود تفاوض بحد ذاته، لأن أي دولة تحتاج في النهاية إلى مسار سياسي يحمي مصالحها ويوقف الاستنزاف.
المشكلة في أن يتحول التفاوض إلى نتيجة مباشرة للضغط العسكري، وأن يُقرأ داخليًا كاستجابة لضربة أو لسلسلة ضربات، لا كخيار لبناني منظم يستند إلى موقف وطني واضح.وهذا ما يجعل موقع الدولة معقدًا. فهي مطالبة، من جهة، بإثبات قدرتها على إدارة ملف التفاوض باسم لبنان كله، ومن جهة أخرى، بعدم منح إسرائيل ما يشبه الاعتراف العملي بأن النار قادرة على فرض جدول الأعمال. وبين هذين الاعتبارين، يصبح الموقف الرسمي أمام امتحان دقيق: كيف يفتح باب الحلول السياسية من دون أن يظهر كأنه يدخلها تحت الإكراه؟
على الضفة الأخرى، يواجه حزب الله مأزقًا لا يقل تعقيدًا. فالضربة في الضاحية تمس منطقة ذات حساسية خاصة بالنسبة إليه، وتأتي بعد فترة من الاستنزاف الإسرائيلي في الجنوب، بما يضعه أمام سؤال الرد وحدود، خصوصًا أنّ أي رد واسع قد يفتح الباب أمام جولة جديدة لا يبدو لبنان قادرًا على تحملها، وأي امتناع كامل عن الرد قد يشجع إسرائيل على اختبار سقوف إضافية. لذلك، قد يكون الحزب أمام واحدة من أصعب معادلات ما بعد الحرب: الحفاظ على صورة الردع، وتجنب الانجرار إلى حرب جديدة، ومنع إسرائيل من تحويل الخروقات إلى قاعدة ثابتة. وهذه معادلة لا تُحل بالشعارات، لأنها ترتبط بحسابات الميدان، وبالبيئة الداخلية، وبالضغط الخارجي، وبحاجة الحزب نفسه إلى إعادة ترتيب موقعه بعد الحرب.
في النهاية، لا تكمن خطورة ما جرى في الضاحية فقط في مكان الضربة، ولا في هوية المستهدف، وإنما في احتمال تحوّلها إلى سابقة ضمن مرحلة أكثر تعقيدًا. فالجنوب بقي تحت النار، والضاحية دخلت مجددًا في دائرة الرسائل الكبرى، ولبنان يجد نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يمنع الحرب، من دون أن يقبل بتحويل وقف إطلاق النار إلى غطاء لخروقات مفتوحة، وكيف يفاوض، من دون أن يسمح لإسرائيل بأن تكتب شروط التفاوض بالصواريخ.