Categories: أخبار

من دون مواربة.. ماذا يعني أن تعلن إسرائيل اغتيال صحافي بالاسم؟

لم يعد استهداف الصحافيين في لبنان يُقرأ بوصفه “رصاصة طائشة” أو “خطأ في الإحداثيات” أو حتى “ضررًا جانبيًا” تبرّره الماكينة العسكرية الإسرائيلية بعبارات فضفاضة، بل بات أقرب إلى مؤشر على تبدّل أعمق في سلوك الحرب نفسها. فالضربة الإسرائيلية التي قتلت الصحافي علي شعيب من قناة “المنار”، والصحافية فاطمة فتوني والمصوّر محمد فتوني من قناة “الميادين”، لم تكمن خطورتها في عدد الشهداء فقط، بل في الاعتراف الصريح بها عن سابق تصوّر وتصميم.

فحين يخرج الجيش الإسرائيلي ليعلن استهداف مراسل قناة “المنار” علي شعيب بالاسم، واصفًا إياه بـ”الإرهابي”، نكون أمام انعطافة شديدة الخطورة في مسار المواجهة، يصبح معها الصحافي هدفًا للاغتيال بكل بساطة، بذريعة أنه “عنصر استخباري في حزب الله”، ومن دون تقديم أي أدلة. هنا، لا يعود الحديث عن واقعة اغتيال ميدانية فحسب، بل عن إعلان رسمي بسقوط أحد آخر المحرّمات القانونية والأخلاقية في بنك الأهداف الإسرائيلي.

 

وإذا أضيف إلى ذلك أنّ منظمة الصحة العالمية قالت إن تسعة مسعفين قُتلوا وأصيب سبعة آخرون في خمس هجمات منفصلة على الرعاية الصحية في جنوب لبنان في الفترة نفسها تقريبًا، يصبح السؤال أكبر من حادثة منفردة. فنحن هنا أمام نمط يتسع: صحافي يُستهدف، ومسعفون يُقتلون، ثم تُترك الساحة لسردية عسكرية تحاول إعادة تعريف من هو “المدني” ومن هو “الهدف المشروع”. فهل دخلت إسرائيل مرحلة تطبيع المحظور، لا مجرد ارتكابه؟

 

من الإنكار إلى “التبنّي”

 

في جولات التصعيد السابقة، كانت إسرائيل تميل غالبًا إلى المواربة عند سقوط صحافيين أو مدنيين، فتتحدث عن “أهداف عسكرية” أو “أضرار جانبية” أو “تحقيقات لاحقة”. أما اليوم، فيبدو أنها لم تعد تجد حرجًا في المجاهرة باستهداف الصحافيين، من دون خشية تُذكر من التبعات السياسية أو الحقوقية، وكأنها شرّعت لنفسها تجاوز كل الخطوط الحمراء. وهذا التحول لا يقتصر على اللغة، بل يشي بتبدّل في فلسفة الحرب نفسها: من محاولة تخفيف الكلفة الأخلاقية والإعلامية إلى محاولة إعادة صياغة هذه الكلفة وتبريرها.

 

فحين تعلن إسرائيل أنها قتلت صحافيًا بالاسم وتصفه بـ”الإرهابي”، تكون قد انتقلت من منطق الإنكار إلى منطق التبنّي. وهذا التحول يعكس رغبة واضحة في تسويغ القتل سياسيًا وإعلاميًا، وتحويل المهنة الصحافية من صفة مدنية يحميها القانون الدولي إلى شبهة قابلة للاستهداف والتصفية. والخطورة هنا لا تكمن فقط في الفعل، بل في اللغة التي تواكبها، لأنها تُدخل الصحافي إلى مساحة الاشتباه العسكري بمجرد الاتهام، على الرغم من أنّ القانون الدولي الإنساني يمنح الصحافيين حماية المدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.

 

ولعلّ أخطر ما في هذا السلوك يكمن في “المعايير” الجديدة التي تحاول إسرائيل فرضها. فبمجرد اتهام صحافي بالارتباط بجهة سياسية أو عسكرية معينة لتبرير اغتياله، تفتح الباب واسعًا أمام استباحة كل من يوجد في الميدان. وفي هذا المناخ، يصبح استهداف الصحافي جزءًا من حرب لا تريد فقط ضرب الخصم، بل التحكم أيضًا بالرواية التي تخرج من أرض المعركة، وإضعاف كل من يوثّقها.

 

ترهيب الشهود

 

يوحي هذا السلوك بأن إسرائيل أرادت أن تقول بوضوح إن الوجود الصحافي في الميدان لم يعد يوفر حصانة فعلية. ولا يمكن عزل ما جرى عن المناخ العسكري الأوسع، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر بتوسيع العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان وتوسيع “المنطقة الأمنية” أو “المنطقة العازلة”، في خطوة تعكس انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر اندفاعًا وأقل اكتراثًا بالكلفة السياسية والحقوقية.

 

ومن خلال اغتيال الصحافيين، توجّه إسرائيل رسالة ردع واضحة إلى جميع من يعملون في التغطية الميدانية، بطابع ترهيبي بامتياز. فاستهداف صحافي ثم المفاخرة بقتله هو رسالة إلى كل من يحمل عدسة أو ميكروفونًا في الجنوب مفادها أن البقاء في الميدان لم يعد محميًا بصفة الصحافة. وكأن إسرائيل، التي تضيق ذرعًا بالصورة التي تنقل خسائرها الميدانية أو توثّق استهدافها للمدنيين والمسعفين، تقول صراحة إن إسكات الشهود جزء من إدارة الحرب.

 

وما يزيد خطورة هذه الصورة أن استهداف الصحافيين يتقاطع مع استهداف المسعفين. فحين يُقتل من يوثّق الحرب ومن يسعف ضحاياها في اللحظة نفسها، يصبح المشهد أوسع من مجرد انتهاكات متفرقة. نحن أمام حرب لا تضرب الخصم وحده، بل تضرب الشهود عليها ووسائط النجاة منها، وتحاول في الوقت نفسه أن تجعل ذلك جزءًا من منطقها الطبيعي.

 

في المحصلة، لا تكمن خطورة المشهد فقط في أنّ صحافيًا اغتيل وأُعلن اغتياله بالاسم، بل في أنّ إسرائيل باتت تعتبر بإمكانها تجاوز الخط الأحمر ثم شرح تجاوزه، لا إنكاره. وبين استهداف الصحافيين واستهداف المسعفين، تتضح ملامح مرحلة أشد قسوة وأكثر صراحة في استباحة المحظورات الميدانية. فإذا كان “ناقل الخبر” قد أصبح هدفًا مشروعًا ومعلنًا، فماذا بقي من قواعد الحرب التي يعرفها العالم؟ وأي حرب هذه التي تريد أن تُسكت من يوثّقها، وأن تُضعف من يسعف ضحاياها؟ 

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

دبل صامدة ومحاصرة من دون نتيجة لمساعدتها!

    * حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20…

دقيقة واحدة ago

انفجارات غير مسبوقة في حيفا… وإسرائيل توسّع عملياتها نحو الليطاني

    * حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20…

دقيقتان ago

إليكم ما سيشهده “حزب الله”.. تقريرٌ إماراتي يتحدّث

نشر موقع "إرم نيوز" الإماراتي تقريراً جديداً تحدث فيه عن وكلاء إيران في الشرق الأوسط…

22 دقيقة ago

“اليونيفيل” تُعلن مقتل جنديين وإصابة آخرين في انفجار مجهول المصدر

وأشارت اليونيفيل في بيانها إلى أن هذا الحادث  يأتي ليكون ثاني حادث مميت في غضون…

23 دقيقة ago

إثر انفجار مجهول.. قتيلان وجريحان في صفوف “اليونيفيل”!

أعلنت قوات اليونيفيل مقتل جنديين من قوات حفظ السلام وإصابة اثنين آخرين، أحدهما بجروح خطيرة،…

28 دقيقة ago