Categories: أخبار

هدنة الأيام العشرة… لبنان بين حرب مؤجَّلة وسلام غير مكتمل

بعد مضي خمسة أيام على إعلان هدنة الأيام العشرة، تبدو صورة الوضع الميداني أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، بما تحمله من تناقضات صارخة وتشوهات مقلقة في دلالاتها. فالنازحون الذين شردّوا قسرًا وتحت وابل الصواريخ عادوا إلى قراهم، ولو لساعات، لم يجدوا سوى ركام بيوتهم، فوقفوا على أطلالها يبكون، قبل أن يُمنعوا من البقاء طويلًا أمامها، لغايات لم تعد خافية على أحد.
في المقابل، رسمت إسرائيل خطًا أصفر (كان الأجدى أن يُسمّى أحمر لكثرة الدماء التي سُفكت) يفصل قرى الحافة الأمامية بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات، عن باقي الجنوب، ممتدًا من الناقورة إلى شبعا، في محاولة لتكريس واقع ميداني جديد يصعب تغييره في الظرف الراهن، إلا إذا نجحت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في إنتاج تسوية ما، خصوصًا مع الحديث عن انتقال هذه المفاوضات من واشنطن إلى قبرص في مرحلة لاحقة ومتقدمة.
أما “حزب الله”، فلا يزال على جهوزيته القتالية، مؤكدًا، عبر أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، أن “الإصبع على الزناد”، وأن الردّ على أي خرق إسرائيلي يبقى خيارًا قائمًا في أي لحظة. وهو موقف يعكس بوضوح أن الحزب لم يغادر منطق المواجهة، بل وضعه في حالة ترقّب مشروط.
هذه الصورة، بكل ما فيها من واقعية قاسية، لا توحي بأن هدنة الأيام العشرة قادرة على الصمود طويلًا أمام هذا الكم من الاستفزازات المتبادلة، في ظل غياب ضمانات حقيقية تلزم الطرفين، أو تفرض سقفًا واضحًا لأي خرق محتمل.
ومع ذلك، يبقى الرهان، ولو بحدّه الأدنى، على المسار الذي رسمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطاب “القسم الثاني”، كخارطة طريق واضحة المعالم والأهداف قد تعيد الانتظام إلى الحياة السياسية، وتضع أسسًا لاستعادة الدولة دورها الطبيعي.
لكن، وبين واقع ميداني يتجه نحو تثبيت وقائع جديدة، ومسار سياسي لا يزال في بداياته، يبقى لبنان أمام مفترق دقيق: إمّا أن تتحول هذه الهدنة إلى مدخل لتسوية تُعيد التوازن المفقود، وإمّا أن تبقى مجرد هدنة مؤقتة، تُخفي خلفها جولة جديدة من التصعيد.
في الاستنتاج الأقرب إلى الواقع أنه لا يكفي أن تتعطّل لغة النار كي يُقال إن الحرب انتهت، ولا يكفي أن تبدأ المفاوضات كي يُقال إن السلام اقترب. فإذا لم يُحسم القرار
فستبقى كل هدنة مؤجَّلة، وسيظل لبنان معلّقًا بين واقع ميداني يتجه نحو تثبيت وقائع جديدة، وبين مسار سياسي لا يزال في بداياته، وسيبقى هذا اللبنان أمام مفترق دقيق،
بين احتمال أن تتحوّل هذه الهدنة إلى مدخل لتسوية تعيد إلى الدولة قرارها، وتضع حدًا لدورات العنف المتكررة، وبين احتمال أن تكون مجرّد استراحة مؤقتة، تسبق جولة جديدة من التصعيد قد تكون أشدّ قسوة. وهنا تكمن خطورة المرحلة. لأن بقاء القرار معلّقًا يعني بقاء البلد كله في حالة انتظار. انتظار قد يطول، وقد يُستغل من الخارج لفرض وقائع إضافية، أو من الداخل لتعميق الانقسام.
قد تنجح هذه الهدنة في تأجيل الانفجار، لكنها لا تعالج أسبابه. وقد تفتح بابًا للتفاوض، لكنها لا تضمن الوصول إلى نتيجة.
أما مستقبل لبنان، في ضوء هذه المعطيات غير المشجعة، فيبقى مفتوحًا على أكثر من احتمال: إمّا أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة نادرة لإعادة تثبيت منطق الدولة، ولو تدريجيًا، وإمّا أن تبقى مجرد استراحة قصيرة، تسبق جولة جديدة من النزف.
بطبيعة الحال لا يمكن أن يُبنى الاستقرار على هدنة مؤقتة، وبالتالي فإن السلام لا يُصنع بقرار مؤجَّل. فلبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف آلة حرب، بل إلى حسم خيار المتعلق بالسؤال، الذي سيبقى من دون جواب شافٍ إن لم يتوافق اللبنانيون على أي دولة يريدون، وأي مستقبل ينتظرون.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

“تاتش”: استعادة أكثر من 85% من تغطية شبكتها في الجنوب الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الغربيّ

أعلنت شركة "تاتش" استعادة أكثر من 85% من تغطية شبكتها في الجنوب، الضاحية الجنوبية لبيروت…

8 دقائق ago

الهجوم الإسرائيلي على لبنان قد يؤدي إلى تقوية “حزب الله”.. تقرير يكشف

ذكر موقع "The Conversation" الأسترالي أنه "مع استمرار وقف إطلاق النار الهش في لبنان، يعود…

9 دقائق ago

وزير الدفاع الإسرائيليّ: سلاح “حزب الله” سيُنزع بوسائل عسكرية ودبلوماسية

أكّد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس أنّ إسرائيل تعتزم نزع سلاح "حزب الله" في لبنان…

16 دقيقة ago

وزير الأشغال للـLBCI: لا نملك قيمة تقديرية للخراب الناتج عن هذه الحرب

أكّد وزير الأشغال والنقل فايز رسامني أنّ الوزارة عرضت تمويل مشروع توسيع أوتوستراد جونية من…

18 دقيقة ago

معادلة ردع جديدة تبرز في الأفق

بدأت في الأيام الأخيرة تلوح في الأفق ملامح توازن ردع جديد في لبنان، لا يمكن…

39 دقيقة ago

الجيش الإسرائيلي يُفجر مجمع الامام الصدر الرياضي في ميس الجبل

يستكمل الجيش الاسرائيلي عدوانيته وهمجيته بتفجير ونسف مجمع الامام الصدر الرياضي في مدينة ميس الجبل،…

40 دقيقة ago