23 مارس 2026, الأثنين

هذا ما تخطّط له إسرائيل

Doc P 1501572 639098639628596970
لا أحد يستطيع ألاّ يقول بأن ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات يومية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت خطير جدًّا ومقلق في الوقت ذاته. وهذا ما يدعو إلى التساؤل عمّا سيكون عليه الوضع في اليوم التالي. ولكن ما هو أخطر من هذا كله، على رغم ما فيه من ألم وحزن، لجوء تل أبيب إلى تفريغ البلدات والقرى الجنوبية وبعض القرى البقاعية والضاحية من أهلها وناسها، الذين يضطرّون إلى ترك منازلهم، التي شيّدوها بكثير من عرق الجبين ودمع العين، والنزوح إلى مناطق لا تزال تُعتبر حتى هذه اللحظة في منأى عن هذه الاعتداءات، وهي واقعة بحكم الواقع الجغرافي والديموغرافي في المناطق ذات الغالبية المسيحية والدرزية والسنّية.
ولعل الخطورة الأكبر في كل ما جرى ويجري تكمن في أن إسرائيل، التي نجحت في زرع جواسيسها داخل البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، تحاول تحريك هؤلاء الجواسيس داخل مراكز الإيواء وداخل البيئة الحاضنة للنازحين، لبث بذور الفرقة والفتنة الطائفية بين النازحين ومستقبليهم، وذلك من خلال استغلال وجع الأوائل وتنامي الشعور بالغبن اللاحق بهم فيما غيرهم يعيش حياة شبه طبيعية، والعمل بالتالي على بث الشائعات لدى المستقبلين، ومفادها أن النازحين الذين تدمرّت بيوتهم مع استحالة إعادة إعمارها من جديد سيبقون حيث هم في المناطق التي آوتهم وأسكنتهم، خصوصًا ما أثاره  إصرار السلطات المعنية على إنشاء مركز لإيواء النازحين ضمن نطاق مرفأ بيروت من موجة اعتراض تُبرز مخاوف البعض المتزايدة من تداعيات هذا القرار على المستويين الأمني والديموغرافي،  خصوصًا أن الواقع البيئي في هذه المنطقة لا يسمح بتوفير الحد الأدنى من الشروط الملائمة لتجمع بشري، نظرًا إلى طبيعة النشاط الصناعي وكثافة حركة النقل. وقد يكون أخطر ما في هذه المخاوف ما تعبّر عنه الجهات المحلية لجهة خشيتها من أن يؤدي إنشاء هذا المركز إلى توسّع سكاني تدريجي في محيط المرفأ، على غرار ما حصل في مراحل سابقة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على عمل المرفأ ويؤثر على انسيابية الحركة عند المدخل الشرقي للعاصمة بيروت
ولم يخف عدد من نواب بيروت عن التعبير عن مخاوفهم، والذين اعتبروا أن هذا المخطط ليس بريئًا، منتقدين عشوائية هذا القرار وسرعة تنفيذه من دون دراسة معمّقة، مما قد يؤدي إلى نتائج وتداعيات سياسية وديمغرافية كارثية، أبرزها محاولة فرض “حزب الله” سيطرته على كل شاردة وواردة في المرفأ كما كان يفعل لسنوات طويلة في المطار، على حدّ تعبيرهم.
وأثار هؤلاء النواب مخاوف الأهالي من احتمال تغلغل عناصر من “الحزب” و”الحرس الثوري الإيراني” بين قاطني المخيّم، مما قد يجعله بؤرة أمنية خطيرة على العاصمة وسكانها وهدفًا محتملًا للجيش الإسرائيلي. إلا أن تراجع رئيس الحكومة عن هذه الخطوة بفعل هذه الحملة لا يعني بالضرورة أن ما تخطّط له إسرائيل يقف عند هذا الحدّ. وبذلك تكون قد نجحت في ما سعت إليه وخطّطت له، ويكفيها بالتالي بعد الانتهاء من مرحلة القتل والتدمير والتشريد، أن تتفرج على ما زرعته من بذور فتن داخلية وطائفية بين اللبنانيين. وهذا أخطر ما قد يتعرّض له لبنان في المرحلة، التي ستلي الحرب.
ففي الحروب، لا يكون الهدف دائمًا احتلال الأرض فقط، بل في كثير من الأحيان يكون بتدمير المجتمعات من الداخل، وضرب الثقة بين الناس، وتحويل أبناء البلد الواحد إلى خائفين من بعضهم البعض. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود العدو في حاجة إلى دبابة ولا إلى طائرة، لأن البلد قد يسقط عندها من تلقاء نفسه.
من هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون اليوم هو أن يصدّقوا الشائعات، وأن ينجرّوا وراء الخوف، وأن يسمحوا للفتنة بأن تدخل إلى بيوتهم ومراكز إيوائهم وعقولهم. فإسرائيل قد تنجح في تدمير منزل، لكنها لا تستطيع أن تدمّر بلدًا إذا بقي أهله متماسكين، وقد تربح معركة عسكرية، لكنها تستطيع أن تربح إذا خسر اللبنانيون وحدتهم.
لقد مرّ لبنان في مراحل أخطر من هذه المرحلة، وسقطت مشاريع كثيرة على أبوابه، لأنه في اللحظة الأخيرة كان اللبنانيون يدركون أن لا خيار لهم إلا ببعضهم البعض، وأن كل مشاريع التقسيم والتفتيت سقطت لأن الجغرافيا أقوى من السياسة، ولأن التاريخ أقوى من الحروب.
لذلك، فإذا كانت إسرائيل قد خططت لتدمير الحجر وتهجير البشر، فإن أخطر ما يمكن أن يقدّمه لها اللبنانيون هو أن يساعدوها، من حيث لا يدرون، على تدمير ما تبقّى من العلاقة بين بعضهم البعض. فإسرائيل قد تدمّر بيوتًا، ولكن اللبنانيين قادرون على تدمير البلد بأمه وابيه إذا انجرّوا إلى الغرائز والاحقاد والفتن الداخلية.

المصدر: Lebanon24