في تقرير له ترجمهُ “لبنان24”، يقول المعهد إنّ هذه الورقة تُجادل بأنَّ قرار حزب الله بالانضمام إلى حرب 2026 المتجددة مع إسرائيل ليس مجرد التزامٍ بـ”انضباط المحور”، ولا امتداداً تلقائياً لدوره التقليدي في المقاومة، بل هو نتاجٌ لضيق الممر الاستراتيجي الذي تشكل بفعل ثلاثة عوامل: المواجهة الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتطور الهوية التنظيمية لحزب الله، والتغيرات التي طرأت على السياق السياسي اللبناني.
ويقول التقرير إن هذه الورقة تُبيّن أنّ حزب الله دخل هذه الجولة من الحرب من موقعٍ أضعف وأكثر تنازعاً مقارنةً بالصراعات السابقة، وأن الحرب من المرجح أن تُسرّع من تحوّله من “جيش إيران” إلى فاعلٍ متمردٍ أكثر ضعفاً وتمركزاً على نطاقٍ محلي.
وتقول الدراسة إن قرار “حزب الله” بالانتقال إلى حرب مفتوحة مع إسرائيل عام 2026 لم ينبع تلقائياً من شعار “المقاومة” الذي يحملهُ، بل من تضافر ضغوطٍ ضيّقت هامش مناورته إلى درجةٍ بات فيها التصعيد شبه حتمي.
وتتمحور هذه الضغوط حول 3 عوامل مترابطة: الاحتياجات الاستراتيجية لإيران بعد اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وأزمة الهوية الداخلية لحزب الله بين كونه “درع لبنان” وحامياً شيعياً متشدداً، وسوء فهم عميق لكيفية رد فعل إسرائيل والولايات المتحدة بعد صدمة 7 تشرين الأول 2023.
وفي ورقة بحثية سابقة حول نموذج حزب الله المستقبلي حتى عام 2030، طُرحت فكرة أن حزب الله، من وجهة نظر طهران، لطالما شكّل خط الدفاع الأمامي ضد إسرائيل – وبديلاً غير نووي للردع الإيراني الذي لا يزال غير مؤكد، وركيزة أساسية من “محور المقاومة”.
وهنا، ترى الدراسة أنه “طالما أنّ إيران تفتقر إلى قدرة نووية عسكرية فعّالة، فإنها تحتاج إلى حزب الله كخط دفاع أمامي في لبنان؛ وبمجرد حصولها على هذه القدرة، قد تتضاءل حاجتها للاستثمار في القوة العسكرية لحزب الله”.
وبحسب التقرير، فقد أمضت قيادة “حزب الله” شهوراً في إعادة التسلح بهدوء – بالاعتماد على ميزانية شهرية تُقدّر بنحو 50 مليون دولار، وتجديد الصواريخ والطائرات المسيّرة من خلال التمويل الإيراني والإنتاج المحلي – تحديداً لأنها قيّمت مواجهة جديدة مع إسرائيل على أنها حتمية وربما وجودية. ومع ذلك، حاول “حزب الله” في البداية البقاء من دون عتبة الحرب الشاملة.
ويقول التقرير إنّ “عناصر داخل حزب الله فوجئت بسرعة ونطاق قرار التصعيد في آذار 2026، ومع ذلك أعادَ الحزب نشر قوات الرضوان النخبوية جنوباً فيما أعاد بناء مخزوناتها تحديداً من أجل معركة حتى آخر نفس، ما يعني أن حزب الله لم ينخرط في الحرب عن طريق الصدفة”.
ويلفت التقرير إلى أنّ “حزب الله تضاءل بشكلٍ كبير لكنه لا يزالُ خطيراً، إذ تقلصت قدرته على بسط نفوذه في المنطقة، لكن قدرته على مُضايقة إسرائيل وزعزعة استقرار لبنان لا تزال قائمة”، وتابع: “لقد كان للسباق التكنولوجي أثره المتبادل، فقد نجح حزب الله في تجديد جزء من ترسانته الصاروخية والطائرات المسيّرة من خلال الإنتاج المحلي والدعم الإيراني المستمر، ونشر صواريخ جديدة ومواد لوجستية في الجنوب قبل التصعيد الأخير. في الوقت نفسه، جعله التركيز الشديد على القدرات المتطورة والشبكية أكثر عرضة لحملات الاختراق الإلكتروني والاستخبارات الإلكترونية والضربات الدقيقة الإسرائيلية التي تهدف إلى إضعاف اتصالاته وقيادته”.
ويرى التقرير أن “الصراع الحالي يكشف أن قيمة حزب الله الرادعة كتهديد وجودي لإسرائيل قد تضاءلت، بينما ازداد دوره كعدو متمرد مستمر لإسرائيل لكن يمكن احتواؤه”، وتابع: “إن صعوبات التجنيد في زمن الحرب، واستمرار نزوح المجتمعات الشيعية، والمنافسة المُحتملة من جهات فاعلة شيعية وعابرة للطوائف، كلها علامات على أن حزب الله قد انتقل من كونه قوة مهيمنة لا جدال فيها على مجتمعه إلى موقف أكثر تشرذماً وتنازعاً عليه”.
ويقول التقرير إن “المفارقة هي أنَّ “حزب الله يخوض حرب 2026 في الوقت الذي يحاول فيه لبنان، على الأقل نظرياً، تصور نظام أمني ما بعد حزب الله”، وتابع: “هذا لا يعني أن التنظيم سيختفي، بل يعني أن الأسس السياسية والمعيارية لوضعه الاستثنائي تتآكل تدريجياً حتى في الوقت الذي يُهدر فيه دماءً وموارد للدفاع عن هذا الوضع ضد إسرائيل ودعماً لإيران”.
ويقول التقرير إنه “ينبغي على إسرائيل أن تُوازن ضغطها العسكري للحفاظ على تقويض قدرات حزب الله بعيدة المدى وقدرات القيادة والسيطرة، مع تجنب شنّ ضربات واسعة النطاق على مؤسسات الدولة الأساسية، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف مساعي حكومة نواف سلام الناشئة لاحتكار الحرب والسلام”، مُعتبراً أنَّ “استهداف البنية التحتية للجيش اللبناني أو الحكومة المركزية من شأنه أن يُضعف الجهة التي تحظر الآن رسمياً أنشطة حزب الله العسكرية وتُنفذ خطة نزع سلاح تدريجية شمال الليطاني”.
وتابع: “ينبغي ربط أي وقف لإطلاق النار في نهاية المطاف بمعايير محددة لنشر الجيش اللبناني، وإعادة انتشار حزب الله على مراحل، ومراقبة الحدود، بدعم من ولاية موسعة لقوات اليونيفيل ومشاركة أوروبية، بدلاً من الاعتماد فقط على تفاهمات غير رسمية مع حزب الله”.
واستكمل: “ينبغي أن تفترض الخطط الإسرائيلية مستقبلاً تقل فيه قدرة حزب الله على شنّ حرب صاروخية تقليدية واسعة النطاق، ولكنه يصبح أكثر ميلاً إلى الغارات عبر الحدود، والتخطيط للعمليات في الخارج، وتفعيل جماعات صغيرة تابعة له على طول الحدود. ويتطلب هذا تعزيز الدفاع المدني، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق الاستخباراتي، بدلاً من افتراض أن إضعاف ترسانة حزب الله الحالية ينهي التهديد”.
وختم: “إن إضعاف القدرات المسلحة لحزب الله دون تعزيز المؤسسات اللبنانية لن يؤدي إلا إلى فتح المجال أمام جهة مسلحة أخرى غير حكومية لملء الفراغ. لذا، ينبغي للسياسة الغربية أن تتعامل مع مساعي نزع السلاح الحالية باعتبارها بداية لجهود بناء الدولة والحكم الرشيد على مدى عقد من الزمن، لا كإجراء مؤقت لإدارة الأزمات”.

