وفي وقت يسعى لبنان إلى إعادة فتح أبواب التعاون مع صندوق النقد الدولي واستقطاب الدعم الدولي، تبدو الشفافية والمساءلة شرطاً لا يمكن القفز فوقه. فالإصلاحات المطلوبة لا تقتصر على القوانين والخطط المالية، بل تبدأ بكشف الوقائع وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من أساء استخدام المال العام أو استفاد من الثغرات التي رافقت إدارة الأزمة.
وبعكس التدقيق المالي التقليدي، يسعى التدقيق الجنائي، بحسب ما يؤكد الخبير المالي والاقتصادي والأستاذ الجامعي بلال علامة، إلى تتبّع حركة الأموال وكشف الجهات التي استفادت من السياسات النقدية والدعم، والتحقق مما إذا كانت بعض العمليات قد شهدت مخالفات قانونية أو سوء استخدام للأموال العامة.
ويُنتظر أن يشمل التحقيق ملفات شديدة الحساسية، من بينها، استخدام احتياطيات العملات الأجنبية، التحويلات المالية إلى الخارج، برامج دعم المحروقات والقمح والأدوية،الهندسات المالية والتدخلات النقدية، حسابات بعض الصناديق والجهات العامة،العقود والدفعات التي أُنجزت خلال سنوات الأزمة.
وتبرز أهمية هذا التدقيق في كونه قد يشكّل، للمرة الأولى، كما يؤكد علامة، قاعدة قانونية وقضائية يمكن الاستناد إليها في ملاحقات داخل لبنان أو خارجه، أو في أي مسار لاسترداد الأموال التي يشتبه بتحويلها أو الاستفادة منها بصورة غير مشروعة.
وتشير تقديرات مالية متداولة إلى أن أكثر من 20 مليار دولار من احتياطيات مصرف لبنان استُنزفت خلال سنوات الأزمة، بعدما تراجعت الاحتياطات الإلزامية بالعملات الأجنبية من نحو 32 مليار دولار إلى ما يقارب 11 ملياراً، وقد صُرفت هذه الأموال بشكل أساسي على دعم المحروقات والقمح والأدوية والسلع الغذائية، إضافة إلى تمويل اعتمادات وتحويلات خارجية ومحاولات دعم سعر صرف الليرة.
لكن الجدل لم يكن يوماً حول مبدأ الدعم بحد ذاته، بل حول طريقة إدارته والجهات التي استفادت منه. إذ تشير المعطيات ، كما يقول علامة، إلى أن بعض المصارف التجارية وشركات الاستيراد، إضافة إلى مستفيدين من التعميمات والمنصات المالية، استفادوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة من التدخلات النقدية. كما تدور شبهات حول استفادة شبكات تهريب ومضاربين من فروقات أسعار الدولار المدعوم.
إن أحد أبرز الملفات التي سيغوص فيها التدقيق يتعلق، بحسب علامة، ببرامج الدعم التي استنزفت مليارات الدولارات من أموال اللبنانيين، من دون أن تنجح في حماية السوق أو تحسين الظروف المعيشية، فخلال الأزمة، ظهرت ثغرات واسعة في آليات الدعم، أبرزها ضعف الرقابة الرسمية، الاحتكار والتخزين، تعدد أسعار الصرف، غياب العدالة في توزيع الدعم، عدم وصوله مباشرة إلى الفئات الأكثر فقراً، كما تحوّل تهريب المحروقات إلى سوريا إلى أحد أبرز أسباب فشل الدعم، بعدما كانت المواد المدعومة تُباع بأسعار أعلى خارج لبنان، ما أدى إلى فقدانها محلياً واستنزاف إضافي للاحتياطيات.أما في قطاع الدواء، فتلاحق شبهات عدة بعض برامج الدعم، من بينها تضخيم الفواتير، وتخزين الأدوية، وتهريبها إلى الخارج، وحصول بعض الجهات على دولارات مدعومة من دون تأمين الكميات المطلوبة للسوق اللبناني.
وعليه، ورغم كثرة الحديث عن المحاسبة منذ بداية الانهيار، لم تُحقق التحقيقات السابقة نتائج ملموسة حتى الآن، نتيجة عوامل سياسية وقضائية وإدارية متشابكة، فالتدخلات السياسية، وضعف استقلالية القضاء، وصعوبة الوصول إلى البيانات المالية الكاملة، إضافة إلى تعقيد التحويلات الخارجية، كلها عوامل ساهمت في تعطيل أي مسار جدي للمحاسبة.
وسط ما تقدم، ينظر إلى التلزيم الجديد على أنه محاولة لإعادة إطلاق التحقيق من زاوية أكثر شمولية وعمقاً، خصوصاً مع اعتماد نتائج التدقيق السابق للفترة الممتدة بين 2015 و2020 كقاعدة أولية للبناء عليها، ولا يقتصر دور التدقيق الجنائي على كشف المخالفات فحسب، بل يتجاوز ذلك، كما يقول علامة، إلى كونه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة الانتظام المالي في لبنان، فالمجتمع الدولي، وفي مقدمته صندوق النقد الدولي، يربط أي برنامج دعم أو تمويل بتنفيذ إصلاحات فعلية تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتوحيد أسعار الصرف، وتعزيز الشفافية واستقلالية القضاء والهيئات الرقابية.
وفي هذا السياق، يمكن للتقرير المرتقب، بحسب علامة، أن يساعد في تحديد الحجم الحقيقي للخسائر المالية، بناء خطة تعافٍ أكثر واقعية، استعادة جزء من الثقة المفقودة بالقطاع المالي، توفير أدلة قانونية لملاحقة الأموال المحوّلة بطرق غير قانونية، فتح الباب أمام تعاون قضائي دولي لتجميد أو استرداد أصول محتملة.
بعد انتهاء التدقيق، يُفترض، كما يقول علامة، أن تتولى وزارة المالية دراسة النتائج ووضع الإجراءات الإصلاحية والتنظيمية المطلوبة، فيما يُنتظر من وزارة العدل متابعة أي ملفات قضائية أو إحالات قد تنتج عن التقرير.
ويبقى السؤال الأساسي: هل يشكّل هذا التدقيق بداية فعلية لمسار المحاسبة واستعادة الثقة، أم ينضم إلى سلسلة الملفات التي بقيت عالقة بين التجاذبات السياسية وتعقيدات النظام المالي اللبناني؟ إن نجاح التدقيق لن يقاس بمجرد إنجاز تقرير نهائي، بل بمدى استعداد السلطات المعنية لتحويل نتائجه إلى إجراءات قانونية ومالية ملموسة. فالتجارب السابقة أظهرت أن المشكلة في لبنان ليست دائماً في غياب المعلومات، بل في غياب الإرادة السياسية لترجمة الحقائق إلى محاسبة فعلية.
المصدر: Lebanon24
تحدَّث مسؤول عسكري إسرائيليّ عن الخطوات التي تتخذها تل أبيب لمواجهة خطر الطائرات المُسيرة التي…
استقبل وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، في مكتبه اليوم، السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو. وخلال اللقاء،…
صــدر عــــن المديريّـة العـامّـة لقــوى الأمــن الـدّاخلي ـ شعبة العـلاقـات العـامّـة البــــــلاغ التّالــــــي: تُعمِّم المديريّة…
عقد "لقاء سيدة الجبل" اجتماعه الاسبوعي إلكترونيا في مقر الاشرفية، في حضور احمد فتفت، احمد…
رعى شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى في دارته شانيه، توقيع…
أفادت مندوبة "لبنان 24"، عن العثور على جثة مواطن سوريّ يُدعى عبدالله، من مواليد عام…