31 مايو 2026, الأحد

المفاوضات تترنح… وإنقاذها باعادة النظر في ادارتها !

Doc P 1532180 639158083218537484
من حق اللبنانيين في ضوء كل ما يجري على ارضهم وحولهم ، ان يطرحوا السؤال الذي كان دائما لسان حال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط : إلى أين ؟
نعم ، الى اين يسير لبنان – او يٌسيَّر لا فرق – وسط ضياع كامل على مستوى الدولة والأحزاب والقيادات والقاعدة .
في الايام والساعات الأخيرة، سجلت سلسلة محطات ترفع منسوب القلق عند اللبنانيين . في آخر هذه التطورات ،فشل اجتماع واشنطن يوم الجمعة الماضي بين الوفدين العسكريين اللبناني والاسرائيلي في تحقيق أيّ اختراق نحو وقف إطلاق النار في لبنان، ليضاف إلى سلسلة طويلة من المساعي الدبلوماسية التي تصطدم بجدران صلبة، ولا تعود إلا بخفَّي حُنين. والمفارقة ان لبنان الذي ذهب وفده بمطلب تثبيت وقف النار، لم يلق من الجانب الاسرائيلي اي ردة فعل ايجابية ، فالوفد اللبناني في وادٍ ، والوفد الإسرائيلي في وادٍ آخر … واللافت في هذا السياق أن البيان الذي صدر عن البنتاغون في أعقاب المحادثات لم يأت على ذكر وقف النار بل حمل عموميات لم يكن ” محرزاً ” السفر إلى واشنطن لاعلانها !
 
وفي الوقت الذي كانت فيه طاولات التفاوض تدور في حلقة مفرغة، كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تتمدد جنوبا وشمالاً، متجاوزةً خطّ الليطاني نحو النبطية وقلعة الشقيف الأثرية والرمزية لأهل الجنوب ، مُسقِطةً بذلك كلَّ الخطوط الحمراء التي رُسِمت على الورق ولم تصمد أمام الوقائع الميدانية التي تنذر بعواقب وخيمة في الايام القليلة المقبلة ،لان كل المؤشرات لا تدعو إلى التفاؤل ، على عكس ما يشيع .
 
اذن ، المشهد التفاوضي اليوم يُشبه إلى حدٍّ بعيد رقعةَ شطرنج تتحرك فيها القطع بإرادات متعددة ومتضاربة، لا بيدٍ واحدة تمسك زمام اللعبة. فرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي طالما كان المدخلَ الموثوق به والقناةَ الدبلوماسية المعتمدة في كلّ مفاوضات الجنوب، أعلن صراحةً أنه غير معنيٍّ بالمفاوضات المباشرة، سواء أكانت أمنيةً أم سياسية. وهو موقف يُسدل الستار على مرحلة كاملة، ويُعقّد المشهدَ برمّته، إذ يُفضي إلى فراغ في التمثيل التفاوضي اللبناني يصعب ردمه بسرعة. والذين يعرفون “ابو مصطفى” جيدا يدركون أن ما يقوله ليس فقط ردة فعل على ما يسميه في مجالسه الخاصة ” التفرد ” ، بل لانه من القلائل من السياسيين من يقرأ جيدا ويحلل بعمق وينظر إلى البعيد ولا ” يسكر” من كلام معسول يسمعه من سفير او موفد .
 
أما حزب الله، فلا يزال يتمسك برفضه القاطع لأيّ شكل من أشكال التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً ذلك خطاً أحمر لن يتجاوزه تحت أيّ ظرف. وهذا الموقف، وإن كان له منطقه الأيديولوجي، إلا أنه يُضيّق هامش المناورة اللبنانية، ويرمي بعبء المفاوضات على كاهل أطراف دولية وإقليمية تتقاطع مصالحها أحياناً، وتتعارض في أحيان أخرى. واذا كان اداء ” الحزب” لا يأخذ في الاعتبار الواقع اللبناني عموماً والشيعي خصوصاً ، فإنه برهانه على ايران ، اسقط عن تحركه الغطاء اللبناني الذي كان نجح في الحصول عليه في وقت معين لاسيما خلال حرب التحرير في العام ٢٠٠٠ وحرب ٢٠٠٦ .
 
في هذا الفراغ اللبناني، تبرز طهران لاعباً يرفض أن يكون غائباً. فإيران تُصرّ على ربط ملف وقف النار في لبنان بأيّ مفاوضات شاملة تُجريها مع واشنطن، ساعيةً إلى جعل الورقة اللبنانية رافعةً تفاوضية في معركتها الكبرى حول الملف النووي والنفوذ الإقليمي. وهذا التوظيف الإيراني للأزمة اللبنانية ليس جديداً، غير أنه يبلغ اليوم ذروة خطورته حين يُحوّل أرض لبنان إلى ورقة مساومة على طاولة لا يجلس عليها لبنان الرسمي ، ولا لبنان الشعبي.
 
في المقابل، تسعى واشنطن بإصرار إلى فصل المسار اللبناني عن نظيره الإيراني، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لم يُخفِ انزعاجه، إذ أشار صراحةً إلى أن حزب الله يُعرقل توجهات الرئيس جوزف عون وحكومته التفاوضية، في إشارة إلى أن ثمة إرادة لبنانية رسمية تجد نفسها مكبَّلة بقيود لا تملك مفاتيحها.
 
وهنا يطرح المشهد برمّته سؤاله المصيري بإلحاح: مَن يُحقق وقف النار في لبنان؟ هل تملك واشنطن المفاتيح الكافية لفرض تسوية بمعزل عن طهران؟ أم أن إيران قادرة على تعطيل أيّ تسوية لا تمرّ عبر شروطها؟ والأهم: هل يصبّ هذا التنافس على الورقة اللبنانية في مصلحة لبنان، أم أنه يرفع منسوب القلق من مستقبل غامض يُعيد رسم خرائط المنطقة فوق الجراح اللبنانية؟
 
لبنان اليوم يقف على حافة مرحلة بالغة الدقة والخطورة. والمطلوب ليس مزيداً من الانتظار، بل اعادة النظر في كيفية ادارة المفاوضات بحيث لا يبقى اي مكوٌن لبناني خارجها ، كما سبق ان حصل في مفاوضات الترسيم البحري في العام ٢٠٢٢ ، ذلك ان في الحالة الراهنة من غير المستحب ، لا بل من غير المنطقي ، ان يتحمل فريق واحد مسؤولية دقيقة فيما يبقى اخرون خارج “الصورة ” . وحدها الإرادة اللبنانية الجامعة قادرة على استعادة زمام التفاوض مع توافر كل الأوراق في يد الفريق المفاوض الذي سوف يمثل انذاك تلك الارادة الجامعة بصرف النظر عن النصوص الدستورية والقواعد التي تفرضها القوانين والأنظمة المرعية الاجراء ، لأنه إذا كان مهماً ان يكون لبنان على الطاولة ، إلا انه من الاهم إلا يغيب عنها من هو قادر على الالتزام باي اتفاق لاسيما وقف اطلاق النار ، لان تغييب القادر لاي سبب كان يجعل من حضور الذي لا يملك الأوراق المؤثرة حضوراً محدود الفاعلية ، ويدفع المغيَّب – طوعاً او قسراً – إلى وضع امكاناته في مكان آخر يحفظ له دوره ويضمن وجوده وربما اكثر !
ثمة فارق من ان يكون لبنان حاضراً وفاعلا ، من ان يكون حاضراً فقط .
 
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24