3 يونيو 2026, الأربعاء

بعد قبول المقترح الأميركي.. هل ينتقل لبنان من التهديد إلى الضمانات؟

Doc P 1533706 639160828857541682
انتقل لبنان، خلال ساعات قليلة، من ذروة الخوف من ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت إلى اختبار سياسي أكثر تعقيدًا: ماذا بعد قبول حزب الله بالمقترح الأميركي لوقف متبادل للأعمال العدائية؟ وهل يصمد الاتفاق خصوصًا بعد “الضبابية” التي أحاطت بالإعلان عنه، بين كلام الحزب عن رفضه تهدئة جزئية تشمل الجنوب، والحديث الإسرائيلي عن استمرار الهجمات والعمليات حتى تحقيق الأهداف؟
 
في الظاهر، يمكن التعامل مع التطور الأخير بوصفه اختراقًا دبلوماسيًا أعقب يومًا بالغ التوتر، بدأ بالتلويح الإسرائيلي بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت بعد “تحييدها” لفترة من الزمن، وانتهى بإعلان أميركي عن اتفاق بقي غير مكتمل وغير مفهوم بالنسبة لكثيرين. غير أن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، لأن لبنان لا يحتاج إلى هدنة تحفظ بيروت لساعات أو أيام، وإنما إلى وقف شامل يُنهي منطق التهديد المتنقل من الجنوب إلى العاصمة.
 
فقبول الحزب بالاتفاق وفق ما تسرّب، على أهميته، لا يعني أنّ الأزمة انتهت، ولا أن التهديد الإسرائيلي تراجع نهائيًا، إنما يفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع واشنطن تحويل التهدئة من ترتيبات ظرفية إلى ضمانات فعلية تُلزم إسرائيل بوقف التصعيد؟ وبالتالي، هل يشكّل الإعلان الأميركي مدخلًا إلى مسار سياسي واضح، أم سيتحوّل إلى استراحة قصيرة قبل عودة التصعيد عند أول ذريعة؟
 
اختبار واشنطن أولًا
 
في المبدأ، يمكن القول إن قبول حزب الله بالمقترح الأميركي يضع الكرة، في جانب أساسي منها، في ملعب واشنطن. فالأخيرة لا تستطيع الاكتفاء بإعلان أنها نجحت في انتزاع موافقة لبنانية أو موافقة من الحزب، ثم تترك إسرائيل تُفسّر التهدئة وفق حساباتها العسكرية. فإذا كانت الولايات المتحدة قادرة على صياغة معادلة لخفض التصعيد، فإن امتحانها الحقيقي يبدأ من قدرتها على إلزام إسرائيل بعدم العودة إلى الضربات تحت عناوين أمنية متعددة.
 
هذه النقطة أساسية بالنسبة إلى لبنان، لأن التجربة الماضية لم تمنح الدولة هامش ثقة واسعًا. فوقف إطلاق النار، أو ما تبقى منه خلال الأشهر الماضية، لم يمنع إسرائيل من تنفيذ ضربات متكررة، ولا من توسيع عملياتها في الجنوب، ولا من التعامل مع أي التزام ميداني بوصفه قابلًا للتعديل عندما تقتضي مصلحتها ذلك. لذلك، لا يكفي أن تتوقف الضاحية عن كونها هدفًا مباشرًا، إذا بقي الجنوب مفتوحًا على الغارات والتوغلات والضغط اليومي.
 
من هنا يمكن فهم إصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على وقف كامل وشامل للنار، لا على صيغة جزئية تبدأ من بيروت وحدها. فالتهدئة التي تُخرج العاصمة من دائرة الاستهداف وتُبقي الجنوب تحت النار لا تُنتج استقرارًا، وإنما تنقل الأزمة من مستوى إلى آخر. وإذا كان الهدف منع الانفجار الكبير، فإن ذلك لا يتحقق عبر تجزئة الخطر، وإنما عبر وقف واضح يشمل الأرض والجو والبحر، ويمنع إسرائيل من إبقاء اليد العسكرية طليقة في الجنوب.
 
الدولة أمام امتحان ما بعد القبول
 
قد يكون أخطر ما في الاتفاق، إذا صحّ التفسير الإسرائيلي له، أنه يثبّت معادلة خطيرة تجعل أمن العاصمة ورقة تفاوضية، يمكن استخدامها للضغط على لبنان كلما دعت الحاجة من أجل جرّه لتقديم التنازلات. كما أن أي تهدئة غير مضمونة قد تتحوّل إلى عبء على الدولة اللبنانية نفسها. فإذا صمتت الجبهة مؤقتًا ثم استأنفت إسرائيل عملياتها، سيجد لبنان نفسه أمام معادلة أكثر إحراجًا: وافق على المقترح، قدّم ما طُلب منه، ومع ذلك لم يحصل على وقف مستقر.
 
انطلاقًا من ذلك، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتعامل مع القبول بالمقترح الأميركي كأنه نهاية المهمة، أو أن تكتفي بالرهان على دور أميركي عام. فالأهم يبدأ الآن: تثبيت مضمون التهدئة، تحديد آلية مراقبتها، ربطها بوقف شامل للنار، ثم الانتقال إلى بحث الانسحاب الإسرائيلي من المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال التصعيد الأخير. وبالتوازي، المطلوب موقف لبناني واضح يربط أي تهدئة بوقف الاعتداءات المجمل والانسحاب من المواقع المحتلة، ولكن أيضًا بضمانات تمنع تكرار سيناريو التهديد بالضاحية كلما تعثرت المفاوضات.
 
الخلاصة أن قبول المقترح الأميركي لا ينهي الأزمة، لكنه يمنح لبنان فرصة لاختبار النيات والضمانات. فإذا نجحت واشنطن في إلزام إسرائيل بوقف شامل وواضح لإطلاق النار، يمكن للبنان أن ينتقل من مرحلة الخوف من ضربة على بيروت إلى مرحلة البحث في الانسحاب والترتيبات. أما إذا بقيت التهدئة محصورة بمنع تصعيد مؤقت في العاصمة، مع استمرار الضغط في الجنوب، فسيكون البلد قد انتقل فقط من التهديد المباشر إلى الابتزاز المؤجل.

 
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24