كتب علي بردى في” الشرق الاوسط”: سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تقديم ما يرقى إلى «ضمانات جانبية» لكل من المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين؛ بغية المحافظة على الاتفاق الجديد لوقف النار الشامل الذي توصلوا إليه بعد يومين من المحادثات المكثفة في واشنطن العاصمة، وضمنها اتصالات على مستويين مع مسؤولين في «حزب الله» ورعاتهم في إيران لتطبيقه والانتقال إلى اتفاق سلام شامل بين لبنان وإسرائيل.
وعلى عكس اتفاق وقف النار في نيسان الماضي، يتضمن الاتفاق الجديد خطوات عملية تطالب «حزب الله» بوقف النار على إسرائيل ومغادرة جنوب لبنان، بينما يتولى الجيش اللبناني السيطرة الكاملة على «المناطق التجريبية» الخالية من أي جماعات مسلحة غير حكومية. غير أن نقطة ضعفه الأكبر أنه لا يتضمن مساراً واضحاً لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وبعكس نص الاتفاق، الذي تلاه كبير موظفي وزارة الخارجية الأميركية دان هولر في ختام تسع ساعات من اليوم الثاني للمفاوضات خلف أبواب مغلقة في مبنى الوزارة في واشنطن العاصمة، أقصى ما كان يمكن أن يجري التوصل إليه؛ لأن المفاوضين اللبنانيين، السفير السابق سيمون كرم والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب السفير وسام بطرس والملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفير حاكمة، كانوا يصرون على «أولوية تحقيق الوقف التام والحقيقي لإطلاق النار كمقدمة لمعالجة القضايا الأخرى»، طبقاً لتعليمات رؤساء الجمهورية جوزيف عون والنواب نبيه بري والوزراء نواف سلام. بينما ضغط المفاوضون الإسرائيليون، السفير في واشنطن يحيئيل ليتر ونائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري ريزنيك والملحق العسكري في واشنطن البريغادير جنرال عميخاي ليفين، من أجل أن تباشر السلطات اللبنانية «العمل فوراً على نزع سلاح (حزب الله) كشرط ضروري لوقف النار».
وشهدت الساعات التي سبقت إعلان الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي اتصالات أجراها المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. واتصل مسؤولون من دولة عربية بمسؤولين لبنانيين، بينهم الوزير السابق علي حسن خليل والنائب في «حزب الله» عمار الموسوي، في سياق «مسار غير مباشر» ثانٍ للمفاوضات الجارية في واشنطن. ولم يتضح على الفور ما إذا كانت هذه القناة الخلفية شبيهة بما يسمى «النموذج الألماني» للمحادثات غير المباشرة التي أُجريت بين إسرائيل و«حزب الله» في مراحل سابقة.
ورأى مسؤولون أميركيون أن هذا الإعلان «يمكن أن يساهم في إزالة عقبة» في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أنه «لم يُلزم إسرائيل صراحة بتقديم تنازلات فورية، مثل انسحاب قواتها من جنوب لبنان»، لكنه يشتمل على ذلك ضمناً من خلال إنشاء «مناطق تجريبية» يتولى الجيش اللبناني «السيطرة الكاملة» عليها، وخصوصاً في المناطق التي احتلتها القوات الإسرائيلية ويمكن أن تخليها في المراحل التطبيقية للاتفاق.
وكتبت” الجمهورية”: أكد مصدر ديبلوماسي مواكب للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي جرت في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن هذا الأسبوع، أن «لبنان باستثماره الضغط الأميركي على حكومة بنيامين نتنياهو والاتصالات السعودية والفرنسية والدولية الأخرى، قد حقق اختراقاً هاماً في جدار المفاوضات السياسية والأمنية، من دون أن يحدّ من مبدأ الحفاظ على وحدة أراضيه وسيادة قرار الدولة، كما أنه أدار ظهراً بالغ الأهمية، ولو أنه غير سهل التطبيق في جوانب عملياتية عدة، يكمن في ترجمة الفرصة التي أتيحت أمامه بتثبيت وقف شامل للنار وتدرّج الانسحاب الإسرائيلي – الذي سيكون بطيئاً جداً – لسحب السلاح والسيطرة الميدانية في الجنوب، إلى إعادة بناء ثقة دولية بأن الدولة قادرة على فرض سيادتها على أراضيها، وأن الديبلوماسية هي الحل لتحرير الأرض وبناء استقرار أمني مستدام على طول الحدود الجنوبية».
ويلفت المصدر، من باب إعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون اتفاق وقف النار الشامل وانتشار الجيش واقتراح لبنان بدء مفاعيل «المنطقة التجريبية» من بعض القرى شمال نهر الليطاني، إلى أن «أثبت جديته وصرامته في المفاوضات، فلم يترك الفرصة أمام الوفد الإسرائيلي لفرض شروطه ومطالبه، واستدرج العواصم الكبرى للتدخل عند بلوغ الحركة بمواجهة أي تعقيدات مباشرة من «حزب الله» لكن الديبلوماسي نفسه تخوّف من رفض «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني للاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، مشيراً إلى أن أي تهوّر «قد ينعكس على الأرض تصعيداً عسكرياً خطيراً، ينسف جهود الدولة اللبنانية في تحرير أرضها من دون حرب، فتكون النتيجة توسعاً إسرائيلياً على الأرض يزيد النزيف اللبناني من ضحايا ودمار».
ويضيف المصدر: أن «هذا الاتفاق مشروط، وأي خلل بشرط سيكلف الدولة اللبنانية خللاً في المقابل، وهنا تكمن الصعوبة، خصوصاً في بند إخلاء مقاتلي «حزب الله» من منطقة جنوب الليطاني، مما سيعمق تدرّج الانسحاب الذي بدأ اليوم (وصل إلى تخوم بلدة الخيام المدمّرة، فيتحوّل الصراع إلى استنزاف بشري ومادي للطرفين، لكن الكلفة الأكبر يتكبدها لبنان».
ويكشف المصدر عن أن «التعنّت الإسرائيلي الذي كاد يعقّد المفاوضات (كشف الرئيس عون نيّة رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم إيقافها لولا تدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو) كان على انسحب بضمانة: «إن حكومة نتنياهو تعيش تحت ضغوط تطالب بتوسيع العملية العسكرية، لكن في الوقت نفسه، هناك قناعة بدأت تترسخ لدى تل أبيب بأن نزع سلاح «حزب الله» وسحب مقاتليه وإفساح المجال أمام الدولة اللبنانية، حلّ احتلال كل لبنان غير ممكن، كما أنه سيأتي يوم وينسحب الجيش الإسرائيلي. فهل ينسحب تحت النار ويتكبّد خسائر، أم ينسحب تدريجياً باتفاق يضمن استقراراً طويل الأمد؟ هنا كانت النقطة الحاسمة، إذ إن هناك قناعة بأن السلطة اللبنانية الحالية هي الأقدر منذ زمن على السير في مسار لا يسمح بإعادة بناء «حزب الله» لترسانته».
ويخلص الديبلوماسي إلى أن «الهدف الاستراتيجي من وراء الاتفاق الحالي هو دفع الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية إلى اتخاذ إجراءات عملية وحازمة ضد البنية التحتية لـ«حزب الله» مستفيدة من الدعم المالي والتقني الذي تعهدت واشنطن بتقديمه للوحدات النوعية في الجيش اللبناني، كما يعكس الدعم الأميركي القوي للاتفاق، رغبة واضحة من إدارة ترامب في عزل الملف اللبناني وفصله تماماً عن المفاوضات الإقليمية المتعلقة بإيران وبرنامجها النووي. لذلك رفضت إيران الاتفاق وتسعى إلى تفجيره، فيتفجّر الوضع في لبنان وتكسب هي نقاطاً في مفاوضاتها. وتسعى واشنطن من خلال الضغط باتجاه تهدئة منفردة في لبنان إلى تجريد طهران من أبرز أوراق الضغط الإقليمية التي تمتلكها ومحاصرة نفوذها في المشرق العربي. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهناً بمدى قدرة الدولة اللبنانية على الصمود أمام الضغوط الإيرانية المباشرة، لا سيما في ظل إصرار إيران على الترابط العضوي والدفاع عن بقاء ذراعها العسكرية الأهم في المنطقة».

