6 يونيو 2026, السبت

وقف النار عالق بين البيان والميدان.. هل بدأت معركة التنفيذ؟

Doc P 1535124 639163413807397054
لم يمضِ على الإعلان عن اتفاق واشنطن لوقف إطلاق النار سوى ساعات حتى تبخّر الهدوء الحذر الذي أعقب الإعلان عنه. فالغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان استمرت كما لو أنّ شيئًا لم يكن، ليسقط بنتيجتها ثمانية شهداء مدنيين، فيما وصف “حزب الله”، على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الاتفاق بأنه “مرفوض جملةً وتفصيلًا”، وذهب وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أبعد من ذلك، بقوله إنّ جيشه سيواصل عملياته ويحتفظ بحق استهداف بيروت.
 
كل ذلك جرى في اليوم ذاته الذي أُعلن فيه “الاتفاق”، والذي يبدو أنه لم يكن كافيًا لإقناع اللبنانيين بأنّ الحرب دخلت فعليًا مرحلة الانحسار. فالنص الذي خرج من واشنطن بدا، في لحظته الأولى، أقرب إلى إطار سياسي قابل للاختبار منه إلى اتفاق ناجز يملك كل عناصر التنفيذ. لذلك، لم تمرّ ساعات طويلة قبل أن يظهر السؤال الأكثر حساسية: من يملك القدرة على نقل وقف النار من البيان إلى الميدان؟
 
عمليًا، يمكن القول إن الاتفاق الذي أُعلن فجر الخميس لم يكن نقطة وصول، إنما نقطة انطلاق نحو مرحلة أشد تعقيدًا. صحيح أنّ الولايات المتحدة رعت الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو تدخّل شخصيًا لمنع انهيارها، وصحيح أنّ البيان المشترك الصادر عن واشنطن يتضمن آليات محددة، غير أنّ مجرد الإعلان كشف حجم الهوّة بين ما يمكن صياغته في بيان ديبلوماسي وما يمكن فرضه على الأرض.
 
الدولة أمام امتحان الميدان
يدرك المعنيون في بيروت أنّ الاتفاق لا يمنح الدولة انتصارًا تلقائيًا. فمجرد قبولها به لا يعني أنّها باتت قادرة على التحكم بكل عناصر المشهد الجنوبي، بدليل أن رفض حزب الله جاء فوريًا وبلا مواربة، فيما واصلت إسرائيل غاراتها بعد ساعات قليلة من الإعلان ذاته. هكذا، خرج الطرفان اللذان يحددان الوقائع الأمنية الفعلية جنوبًا من منطق الاتفاق، تاركَين الدولة اللبنانية في موقف بالغ الدقة: أن تتمسك بما حققته تفاوضيًا، وأن تثبت في الوقت نفسه أنها قادرة على الترجمة الميدانية.
 
ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن سابقاتها أنّ الدولة اللبنانية دخلت المفاوضات بوصفها طرفًا رسميًا لا وسيطًا، وبات عليها أن تحمل ثقل ما وقّعت عليه. وهنا تأتي أهمية دور الجيش ، فالمطلوب منه ليس انتشارًا رمزيًا أو إعادة تموضع محدودة، إنما تكريس فكرة “السيطرة الحصرية” في مناطق حساسة، ضمن مسار يُفترض أن يتوسع لاحقًا. وهي مهمّة تحمل فرصة واضحة للدولة، لأنها تعيد الجيش إلى قلب المعادلة الجنوبية، لكنها تحمل أيضًا مخاطر كبرى إذا تحولت إلى تجربة معزولة أو مؤقتة أو محكومة بسقف سياسي لا يسمح لها بالتحول إلى نموذج شامل.
 
 وفي هذا السياق، ثمّة سيناريو يقلق الأوساط السياسية: أن تنتشر الوحدات العسكرية اللبنانية في المناطق التجريبية، في حين يبقى حزب الله حاضرًا جنوب الليطاني، وتستمر الغارات الإسرائيلية. في هذه الحال، لن يُعيد الانتشار السيادة إلى الدولة، وإنما سيضع الجيش في مواجهة معادلة لا يملك أدواتها: أن يكون “السيد” أمنيًا في منطقة تتجاذبها إرادتان مسلحتان. ولذلك، تبدو الدولة أمام امتحان مزدوج: أن تقنع الخارج بأنّها جدية في التنفيذ، وأن تقنع الداخل قبل ذلك بأنّ ما يجري ليس تفريطًا بأوراق لبنان، ولا استدراجًا لصدام داخلي تحت عنوان استعادة القرار.
 
ما الذي يحدد نجاح التنفيذ أو فشله؟
 
أصبح واضحًا أنّ لبنان أمام اتفاق واحد وثلاث قراءات متعارضة. الدولة تريد أن تقدّمه طريقًا إلى وقف الحرب واستعادة الحضور الرسمي في الجنوب. إسرائيل تراه مدخلًا إلى ضمانات أمنية أكثر صلابة. وحزب الله يتعامل معه كصيغة ناقصة ما لم تقترن بانسحاب واضح ووقف الاستهدافات. هذه القراءات لا تجعل الاتفاق مستحيلًا بالضرورة، لكنها تجعله شديد الهشاشة.
 
المشكلة أنّ الوقت لا يعمل لمصلحة أحد. كل تأخير في التنفيذ يفتح الباب أمام حادث ميداني قد ينسف المسار كله، وكل غموض في الآلية يسمح لكل طرف بأن يتصرف وفق تفسيره الخاص. لذلك، فإنّ ثلاثة متغيرات ستحكم المشهد: الأول هو موقف حزب الله العملي لا الخطابي. فرفض قاسم علني وحاسم، لكن الحزب ليس طرفًا في الاتفاق، وستُظهر الأيام القليلة المقبلة ما إذا كان سيمارس “الرفض الميداني” أم سيتعامل بصمت براغماتي مع الانتشار العسكري اللبناني في مناطق بعينها.
 
أما المتغير الثاني فهو الموقف الإسرائيلي الفعلي من آلية المناطق التجريبية، إذ يتناقض تصريح كاتس بمواصلة العمليات حتى “الخط الأصفر” مع روح الاتفاق، وسيكون الموقف الأميركي حاسمًا في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستضغط على تل أبيب للالتزام أم ستكتفي بإدارة التوترات. والمتغير الثالث هو قدرة الجيش على التحرك السريع نحو المناطق المقترحة، إذ سيُفسَّر أي تأخر في الانتشار كعجز لا كترتيب، وهو ما لا تستطيع الدولة تحمّله في هذه المرحلة.
 
في الخلاصة، يبدو أنّ وقف النار الذي أُعلن في واشنطن ليس نهاية المسار، وإنما اختباره الأول والأصعب. ما تحقق تفاوضيًا يبقى رهنًا بما ستفعله الأطراف على الأرض في الساعات والأيام المقبلة. والدولة اللبنانية التي دخلت الطاولة التفاوضية بوصفها لاعبًا رسميًا مستقلًا باتت مُلزَمة بأكثر مما كانت عليه في أي استحقاق سابق: أن تُثبت أنّ القرار الذي صيغ في واشنطن قابل للترجمة في زوطر وقلعة الشقيف، وأن البيان ليس مجرد ورقة تُضاف إلى سجل طويل من الاتفاقات المعلّقة.

 

المصدر: Lebanon24