14 يونيو 2026, الأحد

حين “تتوافق” إسرائيل وإيران على حساب لبنان

Doc P 1538628 639170231103560966
من بين أكثر الأمور غرابة ومدعاة للدهشة والمبكية في آن هو أن “تتوافق” كل من إسرائيل وإيران على تدمير لبنان. وهذا “التوافق” بمعناه السلبي يستفيد، إذا أجاز التعبير، من غياب أي توافق لبناني بمعناه الإيجابي بالنسبة إلى الأولويات. فبينما يرى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ومن يؤيده من الأطراف السياسية أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية هي السبيل الوحيد لإخراج لبنان من دوامة أزماته، التي لا بد من أن تكون بداياتها وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب مبرمج للجيش الإسرائيلي من كل بقعة أرض جنوبية لا يزال يحتلها تصاعديًا وتدريجيًا حتى الساعة، نرى “أن “حزب الله”، ومن يجاريه في سياسته، يصرّ على أخذ لبنان إلى المصير المجهول – المعلوم، من خلال تصميمه على مواصلة القتال حتى آخر شبر من أرض الجنوب، وعدم تخّليه عن سلاحه باعتباره “مصدر القوة الوحيد للبنان”.

وبينما يتخبّط لبنان المنقسم على نفسه من خلال التباين في وجهات نظر أبنائه وخياراتهم نرى أن إيران، التي لا تزال تمسك بالملف اللبناني عبر “حزب الله” وتستعمله كورقة ضغط من بين بنودها التفاوضية الرئيسية في مفاوضاتها مع أميركا، تعتبر لبنان جزءاً من محورها كساحة لتحسين شروطها التفاوضية. من هنا يمكن فهم إصرار “حزب الله” على مواصلة القتال على رغم معرفته المسبقة بما ستؤول إليه نتائج الميدان، وعلى رغم تكبّده المزيد من الخسائر البشرية في صفوفه، على حدّ ما تقوله التقارير الإسرائيلية، وعلى رغم ما تجرّه هذه الحرب من خسائر تطال كل الوطن وليس البيئة الحاضنة لـ “الحزب”. 

فإسرائيل التي دمّرت معظم قرى الجنوب، ومن بينها بنت جبيل والخيام، وهي باتت على مشارف صور والنبطية، لن تنسحب، على ما يبدو، من الأراضي التي لا تزال تحتلها من دون وازع أو رادع، قبل أن تضمن أن أمنها الشمالي لم يعد مهدّدًا كما كان عليه الوضع قبل حربي “الاسناد” و”الثأر”.

وبينما تواصل كل من إيران وإسرائيل تحقيق أهدافهما عبر الساحة اللبنانية يبدو لبنان عالقًا كـ “شاقوف بين حجرين” على وقع التفاوض الأميركي – الإيراني، والتفاوض اللبناني – الإسرائيلي برعاية أميركية، وهو يحاول جاهدًا أن يفصل أي حل عن الغايات الإيرانية. إلّا أن الواقع المأسوي يبدو مغايرًا للأمنيات، إذ أن لبنان المغلوب على أمره يغرق بين مشروعين، إسرائيلي وإيراني. فإسرائيل تحتل وتدمر وتهدف، على ما تدّعيه، إلى القضاء على “حزب الله” ونزع سلاحه، وتضغط على الدولة اللبنانية لفرض شروطها في المفاوضات مع استمرارها بالتوغّل البري والقتال، فيما تستخدم إيران لبنان كساحة لتثبيت معادلات معينة في مفاوضاتها.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الخاسر الأكبر ليس أي طرف من أطراف الصراع الإقليمي، بل لبنان الدولة والشعب والمؤسسات. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيدًا من الدمار في البنى التحتية، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من الانهيار الاقتصادي الذي بات يهدّد ما تبقى من مقومات الصمود الوطني. وإذا كانت إسرائيل تمتلك أهدافها العسكرية والأمنية الواضحة، وكانت إيران تدير معركتها ضمن حسابات النفوذ الإقليمي والتفاوض الدولي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه عن  المصلحة اللبنانية وسط هذا الاشتباك المفتوح يبقى سؤالًا من دون جواب حتى إشعار آخر.

فالواقع أن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون صندوق بريد للرسائل المتبادلة بين القوى الإقليمية والدولية. لقد دفع أثمانًا باهظة على مدى عقود نتيجة ربط ساحته الداخلية بصراعات الآخرين، فيما كانت الدول المعنية بهذه الصراعات تعيد ترتيب أولوياتها وتحالفاتها وفق مصالحها القومية العليا، تاركة اللبنانيين يواجهون وحدهم نتائج الحروب والتسويات على حد سواء.

ومن هنا، فإن الرهان الذي يضعه رئيس الجمهورية على المفاوضات المدعومة أميركيًا لا يقتصر على معالجة الوضع الأمني في الجنوب، بل يتصل بإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة المخولة اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم. فالمجتمع الدولي، ومعه غالبية الدول العربية، يربط أي دعم سياسي أو اقتصادي أو إنمائي للبنان بقدرته على استعادة سلطة الدولة وبسط نفوذها على كامل أراضيها.

وفي المقابل، فإن استمرار ربط الساحة اللبنانية بمسار التفاوض الأميركي – الإيراني يضع لبنان في موقع الانتظار الدائم. فكل تقدم أو تراجع في المفاوضات ينعكس مباشرة على الوضع الداخلي، وكأن اللبنانيين باتوا أسرى لمعادلات لا يملكون القدرة على التأثير فيها. لذلك يرى كثيرون أن المدخل الحقيقي لإنقاذ لبنان يكمن في تحرير قراره الوطني من الارتباطات الخارجية، أياً يكن مصدرها، والعمل على بناء تفاهم داخلي حول مفهوم الدولة ودورها ووظيفتها.

وإذا كان من الصعب الحديث اليوم عن توافق لبناني شامل في ظل الانقسامات الحادة القائمة، فإن استمرار الانقسام يحمل مخاطر أكبر بكثير من كلفة التفاهم. فالتاريخ اللبناني الحديث أثبت أن غياب الرؤية الوطنية المشتركة يسمح دائمًا للقوى الخارجية بالتدخل واستثمار التناقضات الداخلية لتحقيق مصالحها الخاصة.

لذلك، فإن المعضلة الأساسية لم تعد تكمن في معرفة ما تريده إسرائيل أو ما تسعى إليه إيران، بل في تحديد ما يريده اللبنانيون لأنفسهم. فحين يتفق اللبنانيون على مشروع دولة حقيقية، تصبح قدرة الخارج على التأثير محدودة. أما عندما يبقى الداخل مشرذمًا ومتنازعًا، فإن الساحة اللبنانية تبقى مفتوحة أمام كل أشكال الاستغلال والتوظيف.

 
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24