14 مارس 2026, السبت

بين الردّ والتحذير… قراءة في الفروق بين البيانين (9) و(10) للحزب

Doc P 1496822 639090724004514793
في خضمّ التصعيد العسكري المتواصل بين حزب الله وإسرائيل، صدر خلال ساعات الفجر اليوم بيانان متتاليان عن “المقاومة الإسلامية”، حملا الرقمين (9) و(10) ضمن ما سُمّي بـ“معركة العصف المأكول”.
وعلى الرغم من تقارب توقيت البيانين، فإنّ التدقيق في صياغتهما يكشف فروقًا دقيقة في اللغة والخطاب والهدف العسكري، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الرسائل التي تحاول “المقاومة” إيصالها في هذه المرحلة من المواجهة.

منطق الردّ المباشر
البيان التاسع قدّم العملية بوضوح ضمن إطار الردّ على العدوان الإسرائيلي، إذ جاء في مقدمته أنّ الاستهداف تمّ “ردًّا على العدوان الإسرائيلي المجرم الذي طال عشرات المدن والبلدات اللبنانية وضاحية بيروت الجنوبية”.
هذه الصياغة تضع العملية في سياق المعادلة التقليدية التي درجت عليها المقاومة في حروب سابقة، أي الردّ المباشر على الضربات الإسرائيلية.
أما الهدف العسكري فكان قاعدة عين زيتيم شمال صفد، وهي قاعدة عسكرية إسرائيلية معروفة في الجبهة الشمالية.
واختيار هدف عسكري بحت في هذا البيان يحمل دلالة واضحة، مفادها أنّ الضربة تأتي ضمن إطار الاشتباك العسكري التقليدي بين “جيشين” أو قوتين مسلحتين، وليس ضمن استهداف مناطق مدنية.
كذلك تضمّن البيان آية قرآنية كاملة تشير إلى المظلومية والتهجير:
“الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق…”، وهي صياغة تحمل بعدًا رمزيًا يربط بين الحرب الحالية وسردية الاعتداء والتهجير التاريخية التي غالبًا ما يحضر استدعاؤها في خطاب الحروب.

الانتقال إلى معادلة التحذير
بعد نحو ساعة وربع تقريبًا، صدر البيان العاشر بصياغة مختلفة نسبيًا.
فبدل الحديث عن الردّ على العدوان، جاء في مقدمته أنّ العملية نفذت “دفاعًا عن لبنان وشعبه، وفي إطار التحذير الذي وجّهته المقاومة الإسلامية لعدد من مستوطنات شمال فلسطين المحتلة”.
هذا التحول في اللغة ليس تفصيلاً شكليًا، بل يشير إلى انتقال الرسالة من منطق الردّ إلى منطق تنفيذ التحذير.
بمعنى آخر، لا تُقدَّم العملية هنا كضربة انتقامية مباشرة، بل كجزء من معادلة ردع مسبقة أعلنتها المقاومة تجاه المستوطنات الشمالية.
الهدف في هذا البيان كان مستوطنة المطلة الواقعة على الحدود مع لبنان، وهي منطقة “مدنية” في الأصل لكنها تُستخدم في أوقات التوتر العسكري كنقطة انتشار أو إسناد للقوات الإسرائيلية.
هذا الانتقال من استهداف قاعدة عسكرية إلى مستوطنة حدودية قد يعكس رسالة ضغط إضافية على الجبهة الشمالية، مفادها أنّ بنك الأهداف يمكن أن يتوسع إذا استمر التصعيد.

اختلاف في الخطاب الديني
حتى في الاستشهاد القرآني، يمكن ملاحظة اختلاف بين البيانين.
فالبيان التاسع استشهد بآية كاملة تتحدث عن الظلم والإخراج من الديار، بينما اقتصر البيان العاشر على الجزء الأول من الآية:
“أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا”.
هذا الاختصار يركّز على شرعية القتال والدفاع من دون التوسع في سردية التهجير والمظلومية التي حضرت في البيان السابق.
وفي سياق الخطاب الإعلامي للحروب، غالبًا ما تكون مثل هذه الاختيارات اللغوية جزءًا من بناء الرسالة السياسية والعسكرية الموجهة للجمهور.

تثبيت الرواية الدفاعية للحرب
كما أضاف البيان العاشر وسمًا جديدًا هو:
#دفاعا_عن_لبنان_وشعبه
إلى جانب الوسم الأساسي #معركة_العصف_المأكول.
وهذه الإضافة تعكس محاولة واضحة لتأكيد الإطار الذي تريد المقاومة تقديم الحرب من خلاله، أي أنها حرب دفاعية وليست مبادرة هجومية.
في الحروب الحديثة، تلعب الوسوم واللغة الإعلامية دورًا مهمًا في توجيه الرواية العامة للصراع، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
رسائل متعددة في بيانين
في المحصلة، لا تبدو الفروق بين البيانين مجرد اختلافات لغوية عابرة، بل تعكس تدرّجًا في الرسائل العسكرية والإعلامية.
فالبيان الأول يضع العملية في إطار الردّ المباشر على الضربات الإسرائيلية، مع استهداف موقع عسكري واضح، بينما يقدّم البيان الثاني العملية كجزء من تنفيذ تحذير مسبق ضمن معادلة ردع مع استهداف مستوطنة حدودية.
وهذا التدرّج قد يعكس محاولة لإدارة التصعيد عبر مزيج من الردّ العسكري المباشر والرسائل الردعية التدريجية، في وقت تبدو فيه الجبهة الشمالية مرشحة لمزيد من التوتر في حال استمر تبادل الضربات.
وفي حروب كهذه، غالبًا ما لا تكون البيانات العسكرية مجرد إعلان عن عملية، بل أداة سياسية وإعلامية تحمل في صياغتها إشارات إلى طبيعة المرحلة المقبلة من المواجهة.

المصدر: لبنان 24

المصدر: Lebanon24