23 مارس 2026, الأثنين

على شفير الحرب العالمية الثالثة: من يعيد التوازن والأمن والسلام إلى العالم؟

Doc P 1501640 639098721106481609
كتب الاستاذ المحاضر في الإعلام والتواصل السياسي فيليب أبوزيد:

 
نعم، بدأت الحرب ولم يكن أحد في لبنان يريدها (سوى قلّة قليلة).
نعم، بدأت الحرب التي لم يكن أحد من العقلاء في السياسة على المستوى العالمي يتوقعها.
والسؤال: هل كانت أميركا تحتاج لرئيس مثل ترامب ليقوم بما لم يقم به أي رئيس على مدى العقود الأربعة الأخيرة؟ برأينا نعم.
أوباما وبوش وبايدن وغيرهم من الرؤساء ما كانوا ليجرّوا أميركا إلى خيارات غير محسوبة. برأينا المتواضع، إن مستوى الولاء لإسرائيل وإن كان كبيراً لدى الجميع، غير أنهم بانتمائهم لأحزابهم واحترامهم لها ما كانوا ليقدموا على أعمال أو قرارات فردية.
ما قام به ترامب نابع بشكل كبير عن شخصية نرجسية، تحب الاستعراض، تحب القول: أنا هنا وأنا أفعل ما أريد والعالم يتبعني.

فقبل أيام قليلة من شن أول ضربات عسكرية على إيران، كانت كل التقارير الداخلية والدولية الإيرانية تتحدث عن انفراجات في ملف التفاوض النووي… فما الذي دفع أميركا وإسرائيل إلى شن الضربات العسكرية؟

هل هو عنصر المباغتة واقتناص الوقت والاستفادة من ترامب في سدة الرئاسة والوقت المتبقي له ولنتنياهو؟ 

لقد اتخذ القرار: تنظيف المنطقة لخمسين سنة قادمة، وجعل مستوى المقاومة فيها يقترب إلى الصفر أو ما دون.
بدأ المسار عام 2023 مع حرب غزة، وسيأتي يوم نعرف فيه الأسباب الحقيقية للتراخي الأمني الذي حصل وسمح بحدوث “طوفان الأقصى”… الذي كلف المقاومة الفلسطينية خسارة غزة بالكامل ودماراً هائلاً وسط غياب الجواب عمّا إذا كانت غزة ستعود كما كانت أو ما إذا كان أهلها سيعودون. هذه الحرب أدت إلى اغتيال كبار المسؤولين من إسماعيل هنية القائد السياسي إلى يحيى السنوار القائد العسكري في مشهدية ملحمية ستبقى راسخة في الأذهان لسنوات.
تورط لبنان في الحرب نصرة لغزة، أيضاً راكم الخسائر في الداخل اللبناني. خسر حزب الله نخبته الميدانية والعسكرية، وخسر أمينه العام التاريخي السيد حسن نصرالله وخليفته الأمين العام صفي الدين، وخسر ترسانته الكبيرة بعد أن انكشفت جزء كبير من خريطة المخزون العسكري والصواريخ، ترافقت مع سقوط تاريخي لنظام الأسد الهارب ليلاً مع ملايينه إلى روسيا.
ومع سقوط النظام السوري غير المأسوف عليه طبعاً، سقط خط الإمداد لحزب الله وأصبح أمام خيار البحر فقط للإمداد والمخزون المتبقي.
عامان مرّا على المنطقة وكأنهما عقدان من الزمن!
العالم في السياسة والمتابع لمجريات الأحداث يعرف تماماً أن التغيير الذي حصل ليس عادياً ولن يكون.
إنه رسم لمراحل طويلة من الزمن.
شهد لبنان في أواخر عام 2024 اتفاقاً لوقف الأعمال القتالية مع إسرائيل برعاية الأمم المتحدة، في محاولة لاحتواء تداعيات حرب قطاع غزة، إلا أنّه بقي هشّاً مع استمرار التوترات والخروقات المستمرة، وعلى مدى عام ونصف تقريباً ظلّت إسرائيل تخرق الاتفاق باغتيال من هنا وغارة من هناك وتحذيرات ضد النشاط المستمر لحزب الله… ولكن الجانب “اللبناني” لم يردّ طلقة واحدة! وأيضاً الجانب اللبناني فشل في احتواء حزب الله وسلاحه شمال الليطاني (40 كلم) ونزع السلاح بعد أن فشلت خطة الجيش اللبناني بالالتزام بها نظراً لعوامل عديدة داخلية من بينها حساسية الاشتباك مع الحزب وعناصره… وظل كل شيء متأرجحاً إلى أن وقع الهجوم على إيران! فجاء الرد من جنوب لبنان بصلية صاروخية لم تصل إلى مكان معروف في الداخل الإسرائيلي، ولكنها كانت كفيلة بفتح باب جهنم مرة أخرى على لبنان وإقحامه من جديد في الحرب الدائرة التي تكاد تكون حرباً عالمية ثالثة. وانطلاقاً من كل ما تقدّم، وما يعنينا نحن في لبنان، هو أن هذا القرار يأتي مخالفاً للإجماع اللبناني ولاتفاق الهدنة 1949 وللقرارات الدولية، لا سيما آخرها 1701، والأهم للدستور اللبناني الذي حدد في المادة 65 منه الحالات التي يمكن للبنان أن يتخذ فيها قرار الحرب والسلم بغالبية الثلثين من أعضاء الحكومة مجتمعة… وهذا كله لم يحصل.
إلى أين نذهب اليوم؟
نحن أمام قرار مجنون باستكمال مخطط تصفير المقاومة ضد أمن إسرائيل لعقود قادمة، نحن في حرب مفتوحة لا تعرف سقفاً زمنياً ولا أهداف واضحة لها حتى الساعة… سوى: تحجيم القدرة الإيرانية وإنهاء خطرها على المنطقة، القضاء على سلاح حزب الله بالكامل وربما الاجتياح البري لإقامة منطقة عازلة جنوباً (شمال إسرائيل) من أجل ضمان ذلك.
إيران حتى كتابة هذه السطور، تلعب كل أوراقها. إنها المرحلة النهائية، من يصمد أكثر سيتمكن من تحديد بنود الاتفاق القادم.
كل ما حُكي في السابق عن إمكانية ضرب إيران للمصالح الأميركية في الخليج… حصل. كل المخاوف السابقة من أن الضربة على إيران قد تؤثر على النفط والأسواق المالية العالمية والتجارة… حصل. وبالتالي سقطت الخطوط الحمراء. لم يعد السؤال: متى تقع الحرب الكبرى؟ بل أصبح: ما هو سقفها؟
هل تبقى الدول الأخرى الداعمة للمحور الإيراني على الحياد؟
هل تبقى أوروبا بعيدة عن تلك الحرب؟ وكيف يتعامل معها ترامب بعد الحرب إن لم تقبل المساندة؟
وهل يبقى ترامب مستبداً بالقرار مع نتنياهو، يتحكمان سوياً بمصير الكوكب؟
هل تمرّ هذه الحرب من دون محاسبة داخلية سواء لنتنياهو في إسرائيل أو لترامب في أميركا، إذ تُشكّل الانتخابات النصفية (نوفمبر القادم) في الولايات المتحدة محطةً مفصليةً في رسم المسار الرئاسيّ، إذ تعكس توجّهات الرأي العام وتحدّد موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي المؤلّف من مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس النواب الأمريكي. كما تُسهم نتائجها في تحديد فرص الحزب الحاكم في الاحتفاظ بالرئاسة وتُطلِق عمليّاً السباق نحو البيت الأبيض. وسط حديث عن موجة زرقاء تنذر بعودة الديمقراطيين إلى الواجهة بعد كل ما قام به ترامب من حروب، لا شك ستنعكس سلباً على الخزينة الأميركية والوضع الاقتصادي الداخلي. الناخب الأميركي لا يأبه بالسياسة الدولية بقدر ما تهمّه “جيبته”، وحتى الآن هذه الحرب مكلفة أميركياً إذ تقارب المليار دولار يومياً! فكيف ينوي ترامب إعادة هذه الخسائر وتعويضها؟ من النفط الفنزويلي؟ ألهذا السبب اختطف مادورو قبل حرب إيران؟ ربما. الأيام القادمة تعطينا الإجابة حتماً.
وضع نتنياهو في الداخل الإسرائيلي ليس أفضل من ترامب، خاصة بعد ارتفاع وتيرة الإصابات الصاروخية المحققة والخسائر المادية وفي الأرواح، ومع اقتراب شهر أكتوبر القادم تنتهي ولاية الكنيسيت الحالية، وستكون إسرائيل أمام اختبار حكومي جديد.
إذن من الآن قد نكون أمام أشهر ثلاثة أو أربعة مصيرية وحتمية لإنهاء الحرب. زيادة الكلفة والخسائر والضغط الداخلي أميركياً وإسرائيلياً هي العوامل التي ستسرّع في حسم الأمور.
صمود إيران وحزب الله ومنع الاجتياح البري من حصوله جنوب لبنان، واستمرار الصواريخ الإيرانية بالوصول إلى أهدافها، هي أيضاً من العوامل المساعدة في تسريع الاتفاق أو الهدنة المرتقبة.
لم ينجح إلى الآن نتنياهو وترامب في إسقاط النظام الإيراني رغم اغتيال المرشد خامنئي، ولم ينجح الشارع الإيراني في إحداث الانقلاب المنتظر غربياً. لم ينجح الثنائي الأميركي-الإسرائيلي من نزع سلاح حزب الله عبر الأطر الداخلية، ولهذا أيضاً تداعيات جديدة: فهل نكون أمام قرار أممي لتنفيذ هذا الشرط؟ (وهنا نطرح سؤالاً مفصلياً: أين دور الأمم المتحدة والفصل السابع في هذه الحالات؟) وأين دور الأمم المتحدة على الصعيد الدولي في التحرك لإيقاف الحرب ومنع تطورها لحرب عالمية ثالثة؟
فمجلس الأمن الدولي لا يملك القدرة حالياً لوقف الحرب لأن أميركا تملك حق النقد الفيتو لإيقاف أي قرار ليس من مصلحتها… ولكنه حاول لعب دور وسيط وضاغط دولياً لفرض تهدئة ووقف التصعيد… وهنا أيضاً سؤال عن إعادة الاعتبار والدور للأمم المتحدة كعنصر فعال في إيقاف الحروب وإرساء السلام، ولكن ترامب الذي أوقف التمويل للمنظمة يعلم تماماً أنها لن تساعده في هذه المرحلة… فقام بتأسيس مجلس للسلام كأمم متحدة موازية… كل هذا يعيدنا إلى النقطة الصفر: النرجسية في التعاطي والحكم. هل نسمح في زمن الذكاء الاصطناعي والتطور والانفتاح أن نعود إلى الأحادية؟ وتفرّد القرار والدكتاتورية القطبية في قيادة العالم؟ وهل يجب أن يُقاد العالم بحكام من طراز ترامب ونتنياهو؟ وهل يجب ان يبقى النظام الإيراني يهدد أمن العالم بصواريخه وبرنامجه النووي من دون اتفاقيات رادعة له ولغيره من القوى الكبرى؟ 
نحن في سباق مع الوقت ولكن الأكيد أن الحلّ لا بد أن يبصر النور قبل هلاك الكوكب بأسره، ففي الليلة الظلماء يبقى السؤال: من يعيد التوازن والأمن والسلام إلى العالم؟ 

 

المصدر: Lebanon24