تشير المعطيات الأخيرة، سواء من القرارات العسكرية الإسرائيلية أو تصريحات المسؤولين أو أوامر الإخلاء أو استهداف البنى التحتية من ماء وكهرباء ومحطات وقود ومراكز صحية، إلى أن ما يجري يتجاوز العمليات العسكرية الموضعية على خط الحدود، ليصب في محاولة فرض واقع جديد يجعل الجنوب أقل قابلية للحياة المدنية وأكثر انكشافاً للتحكم العسكري والأمني، عبر أوامر إخلاء واسعة تهدد قرى بالإفراغ، وتدفع السكان شمال نهر الزهراني مع قطع الطرق وتعطيل البنى التحتية، والتلويح بمنع العودة قبل توافر ما تسميه إسرائيل «ضمانات أمنيةً».
وكتبت اسماء اسماعيل في” الاخبار”: تُعد تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (1985–2000) المرجع الأقرب لتفسير الحرب الحالية. فقد أنشأت إسرائيل منطقة عازلة بينها وبين الداخل اللبناني، وتمركزت فيها قواتها وميليشيا جيش جنوب لبنان تحت إشرافها، لمنع أي نشاط عدائي. ولم تكن مجرد خط عسكري، بل فضاءً سياسياً وأمنياً معقداً لضبط المجتمع الجنوبي ضمن معادلة أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية.
لكن المنطقة الأمنية لم تُفرغ السكان المدنيين، بل ظلوا جزءاً من المعادلة، فيما تشير السياسات الحالية إلى اتجاه أكثر جذرية، عبر جعل غياب السكان وإخراجهم من المعادلة شرطاً للأمن، بحيث يتجاوز السؤال في لبنان اليوم مفهوم «المنطقة العازلة» التقليدية، فالأمر لا يتعلق فقط بالفصل بين قوتين متحاربتين، بل بإنتاج مساحة يصعب أن تستمر فيها حياة مدنية مستقرةً، أو أن تكون العودة إليها ممكنةً. وهنا يظهر مفهوم «الأرض الخالية من المدنيين» الذي يفوق المنطقة العازلة التقليدية، إذ تُحطم فيه شروط البقاء المدني، ويُعلّق حق العودة، وتُفرض وظيفة أمنية قسريةً من الخارج.
ويعني هذا التحول أن الجنوب قد يواجه صيغة أشد قسوةً من نموذج «الشريط الأمني» بين 1985 و2000، إذ لا يقتصر على السيطرة على السكان، بل يسعى لإبعادهم أو إبقائهم خارج المكان إلى أجل غير محدد، ليصبح الصراع الراهن صراعاً على الجغرافيا الديمغرافية نفسها.
وبالرغم من أن التجربة أظهرت أن وجود منطقة عازلة مأهولة مع قوات إسرائيلية وميليشيات محلية يخفف الهجمات قصيرة المدى، إلا أن ذلك لا يوقف المقاومة الطويلة الأمد، ويزيد التوتر بين السكان والبنية الأمنية.
إن تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، والتجارب الأخرى تظهر بوضوح أن النموذج الذي تلوح به بعض التصريحات والسياسات الإسرائيلية الحالية يميل إلى إنتاج مجال حدودي منزوع السكان، أو محدود الحياة المدنية إلى أقصى حد، بحيث يُعاد تعريف الأمن لا بوصفه فصلاً منظماً بين قوتين، بل بوصفه إبعاداً قسرياً للسكان من الحيز الذي تريده إسرائيل هامشاً دفاعياً لها.
وكتبت اسماء اسماعيل في” الاخبار”: تُعد تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (1985–2000) المرجع الأقرب لتفسير الحرب الحالية. فقد أنشأت إسرائيل منطقة عازلة بينها وبين الداخل اللبناني، وتمركزت فيها قواتها وميليشيا جيش جنوب لبنان تحت إشرافها، لمنع أي نشاط عدائي. ولم تكن مجرد خط عسكري، بل فضاءً سياسياً وأمنياً معقداً لضبط المجتمع الجنوبي ضمن معادلة أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية.
لكن المنطقة الأمنية لم تُفرغ السكان المدنيين، بل ظلوا جزءاً من المعادلة، فيما تشير السياسات الحالية إلى اتجاه أكثر جذرية، عبر جعل غياب السكان وإخراجهم من المعادلة شرطاً للأمن، بحيث يتجاوز السؤال في لبنان اليوم مفهوم «المنطقة العازلة» التقليدية، فالأمر لا يتعلق فقط بالفصل بين قوتين متحاربتين، بل بإنتاج مساحة يصعب أن تستمر فيها حياة مدنية مستقرةً، أو أن تكون العودة إليها ممكنةً. وهنا يظهر مفهوم «الأرض الخالية من المدنيين» الذي يفوق المنطقة العازلة التقليدية، إذ تُحطم فيه شروط البقاء المدني، ويُعلّق حق العودة، وتُفرض وظيفة أمنية قسريةً من الخارج.
ويعني هذا التحول أن الجنوب قد يواجه صيغة أشد قسوةً من نموذج «الشريط الأمني» بين 1985 و2000، إذ لا يقتصر على السيطرة على السكان، بل يسعى لإبعادهم أو إبقائهم خارج المكان إلى أجل غير محدد، ليصبح الصراع الراهن صراعاً على الجغرافيا الديمغرافية نفسها.
وبالرغم من أن التجربة أظهرت أن وجود منطقة عازلة مأهولة مع قوات إسرائيلية وميليشيات محلية يخفف الهجمات قصيرة المدى، إلا أن ذلك لا يوقف المقاومة الطويلة الأمد، ويزيد التوتر بين السكان والبنية الأمنية.
إن تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، والتجارب الأخرى تظهر بوضوح أن النموذج الذي تلوح به بعض التصريحات والسياسات الإسرائيلية الحالية يميل إلى إنتاج مجال حدودي منزوع السكان، أو محدود الحياة المدنية إلى أقصى حد، بحيث يُعاد تعريف الأمن لا بوصفه فصلاً منظماً بين قوتين، بل بوصفه إبعاداً قسرياً للسكان من الحيز الذي تريده إسرائيل هامشاً دفاعياً لها.

