وتكشف المعلومات عن فتح قنوات اتصال متعددة في الآونة الأخيرة، بعضها عبر الجانب المصري، وأخرى مع سلطنة عُمان عبر وسطاء، في محاولة لإيجاد دينامية تهدئة تدريجية. وتشير المعطيات إلى أنّ وفدًا أمنيًا مصريًا زار حزب الله وطرح مبادرة خلاصتها ضرورة العودة إلى القرار الدولي 1701 ووقف إطلاق النار، على أن يكون الحزب حاضرًا، بعد انتهاء الحرب، للبحث في مسألة سلاحه على طاولة التفاوض الداخلي. إلا أنّ الحزب اكتفى بالاستماع من دون إعطاء أي إشارة سلبية أو إيجابية حيال ما طُرح من الجانب المصري.
أما زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى بيروت، فلا يمكن قراءتها في إطارها الإنساني فقط، بل تتجاوز ذلك إلى دور دبلوماسي أعمق. فالقاهرة، التي تنشط على خط التواصل مع مختلف الأطراف، تحاول استثمار علاقاتها، لا سيما مع إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا، لدفع مسار التهدئة وبلورة مخارج عملية للحرب. ووفق معطيات من أوساط سياسية واكبت لقاءاته، عكس أداء الوزير حالة إحباط واضحة نتيجة تجاهل إسرائيل للمبادرة المصرية الهادفة إلى احتواء التصعيد في لبنان، وركّز على ضرورة حماية التماسك الداخلي ومنع الانجرار إلى فوضى تخدم الأجندة الإسرائيلية.
وعليه، تندرج هذه الجهود ضمن مقاربة مصرية أوسع للتعامل مع الجبهة الأكبر، أي التوتر الممتد بين إيران وإسرائيل إذ تعمل القاهرة على وساطة بالتعاون مع باكستان وتركيا والسعودية لوقف التصعيد في المنطقة.
هذه التحرّكات، وإن بدت متفرّقة، تندرج ضمن مسار أوسع تقوده أطراف إقليمية تسعى إلى إنهاء الحرب على لبنان، من بينها أيضًا تركيا وقطر. وبالتوازي، تبقى إيران اللاعب الأكثر تأثيرًا في هذا الملف، إذ تمسك بورقة أساسية في توازناته. وتشير مصادر سياسية بارزة إلى أنّ طهران لن تنخرط في أي مسار تفاوضي بمعزل عن لبنان أو على حسابه، ما يعزّز فرضية الربط المباشر بين المسارين اللبناني والإيراني. ومع ذلك، تفيد المعطيات بأنّ التسوية في لبنان قد تسبق نضوج الصورة الكاملة على الساحة الإيرانية، في حال توافرت ظروف ميدانية وسياسية ضاغطة. فالجانب الإيراني لا يمانع أن تتقدّم التسوية في لبنان، إذا ما توفّرت شروط حماية هذا البلد. في المقابل، تشير مصادر دبلوماسية إلى أنّ وقف الحرب على لبنان سيبقى خاضعًا للإيقاع الإسرائيلي، لا سيما أنّ بنيامين نتنياهو متمسّك بمواصلة الحرب إلى حين تحقيق أهدافه في جنوب لبنان، بما في ذلك التوغّل لمسافة تصل إلى 40 كيلومترًا.
وعليه، تبقى العقبة الأساسية متمثّلة في الموقف الإسرائيلي، الذي يظهر حتى الآن عدم تجاوب مع المبادرات المطروحة، ولا سيما تلك المرتبطة بوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات. وتبدي مصادر متابعة قلقها من مؤشرات ميدانية توحي بتبدّل في الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ جرى في مرحلة سابقة تحديد نهر الليطاني حدًا للتوغّل العسكري، قبل أن تبرز إشارات إلى سيناريوهات جديدة قد تمتد نحو الزهراني وربما أبعد، ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد أكثر خطورة.
في ضوء هذه المعطيات، يقف لبنان عند مفترق دقيق: بين تفاوض لا يزال بعيدًا رغم الضغوط الدولية والإقليمية، وبين استمرار الحرب واتساعها. وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الاتصالات الجارية إلى خطوات عملية تضع حدًا للحرب، وتعيد فتح الباب أمام الاستقرار.

