منذ انفجار مرفأ بيروت، مروراً بالانهيار الاقتصادي الذي انعكس بقوة على حياة اللبنانيين، ووصولاً إلى جائحة كورونا، ثم تفكك الطبقة الوسطى وارتفاع عدد من هم تحت خط الفقر إلى أكثر من 850 ألف شخص، وانتهاءً بالحرب الإسرائيلية التي تلقي بثقلها وسموم قذائفها على اللبنانيين، يبرز سؤال أساسي: هل أثّرت كل هذه العوامل على متوسط أعمار اللبنانيين؟
الجواب هو نعم، لكن المسألة تحتاج إلى تفسير.
تشير أحدث الإحصاءات التي تناولت الواقع اللبناني إلى أن متوسط العمر المتوقع تأثر بشكل ملحوظ منذ بداية الانهيار الاقتصادي عام 2019. فبعدما ظل هذا المؤشر مستقراً بين عامي 2013 و2019، بدأ بالتراجع مع اشتداد الأزمة. فقد بلغ متوسط العمر المتوقع لدى الذكور نحو 77 عاماً في 2020، ثم انخفض إلى 76 عاماً في 2021، قبل أن يعود ويرتفع ويستقر تقريباً عند 79 عاماً في 2023. أما لدى الإناث، فقد تراجع من 80 عاماً في 2019 إلى 71 عاماً في 2021، ثم عاد إلى 75 عاماً في 2023.
ورغم أن الفارق بين الرجال والنساء في هذا المجال ليس مستغرباً من الناحية الديموغرافية، لأن النساء عادة ما يسجلن معدلات أعلى عالمياً، فإن اللافت في الحالة اللبنانية هو أن التراجع شمل الجنسين معاً. وهذا يشير إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بعوامل بيولوجية، بل تعكس خللاً بنيوياً يطال النظام الصحي والظروف المعيشية بشكل عام. صحيح أن بيانات البنك الدولي تظهر أن متوسط العمر المتوقع في لبنان ما زال أعلى من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ 71 عاماً، وأعلى أيضاً من متوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى البالغ 76 عاماً، إلا أن ذلك لا ينفي أن لبنان فقد جزءاً من مكاسبه الصحية التي راكمها سابقاً.
في لبنان، لا يمكن فصل هذا التراجع عن الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في 2019. فقد أدت الأزمة المالية إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، وجعلت الدواء والاستشفاء والفحوصات الدورية عبئاً ثقيلاً على شريحة واسعة من الناس. ومع انهيار قيمة الرواتب، بات كثيرون يؤجلون زيارة الطبيب، أو يخففون جرعات الأدوية، أو يتخلون عن فحوصات ضرورية، أو لا يقصدون المستشفى إلا بعد تفاقم حالتهم. ولم يعد هذا السلوك حالة فردية أو استثنائية، بل أصبح واقعاً يومياً فرضته الأزمة على عدد كبير من اللبنانيين.
الأزمة لم تضرب المرضى فقط، بل أصابت القطاع الصحي نفسه في العمق. فلبنان الذي عُرف لسنوات بامتلاكه كفاءات طبية عالية ومستشفيات ذات مستوى متقدم، دخل مرحلة استنزاف حادة طالت الأطباء والممرضين والتمويل والقدرة التشغيلية. هاجر عدد كبير من أصحاب الاختصاص، وتراجعت قدرة المستشفيات على تقديم بعض الخدمات بالمستوى نفسه الذي كانت عليه، في وقت ارتفعت فيه كلفة المعدات والمستلزمات الطبية، وأصبح استمرار بعض المؤسسات الصحية تحدياً يومياً بحد ذاته. وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد مشكلة مواطن عاجز عن تحمل الكلفة، بل تحولت إلى أزمة نظام صحي يتآكل تدريجياً من الداخل.
ثم جاءت الضربات المتتالية لتزيد الوضع سوءاً. فقد فرضت جائحة كورونا ضغطاً هائلاً على المستشفيات والقطاع الطبي، في وقت كان لبنان يعيش أصلاً واحدة من أسوأ أزماته المالية. وبعدها جاء انفجار مرفأ بيروت ليوجه ضربة قاسية إضافية، ليس فقط بسبب عدد الضحايا والجرحى، بل أيضاً بسبب الأضرار الواسعة التي أصابت البنية الصحية والخدماتية في العاصمة. وبهذا، وجد لبنان نفسه أمام سلسلة من الأزمات المتشابكة: أزمة مالية خانقة، وجائحة عالمية، وصدمة أمنية وإنسانية كبرى، وكل ذلك خلال فترة قصيرة نسبياً.
أما الفارق بين الرجال والنساء في العمر المتوقع، فهو يحمل بدوره دلالات مهمة. فالرجال في لبنان يبدون أكثر عرضة لمجموعة من عوامل الخطر، منها ضغط العمل، والأمراض القلبية، والتدخين، والحوادث، والتأخر في طلب الرعاية الصحية. وفي المقابل، تحافظ النساء غالباً على متوسط أعلى، لكن ذلك لا يعني أنهن بمنأى عن آثار الانهيار، لأن التراجع طال الجميع في نهاية المطاف وإن بدرجات متفاوتة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى المسألة باعتبارها مجرد مقارنة بين الجنسين، بل بوصفها انعكاساً لتدهور أصاب المجتمع اللبناني بأكمله.
والمفارقة أن لبنان لا يزال يحتفظ في الذاكرة الجماعية بصورة البلد الذي كان يُعرف بـ”مستشفى الشرق”، لكن هذا الوصف بات اليوم أقرب إلى ذكرى من الماضي منه إلى واقع مستمر. فالسمعة الطبية وحدها لا تكفي للحفاظ على المؤشرات الصحية إذا انهارت مقومات الدولة، وتراجعت التغطية الاجتماعية، وأصبحت الرعاية الصحية مرتبطة بقدرة الفرد على الدفع بدلاً من أن تكون حقاً أساسياً. ومن هنا، لم تعد المشكلة في وجود أطباء أكفاء أو مستشفيات معروفة فقط، بل في قدرة المواطن العادي على الوصول إلى هذه الخدمات في الوقت المناسب.
إن تراجع العمر المتوقع في لبنان يجب أن يُفهم على أنه جرس إنذار حقيقي. فهو يكشف بوضوح أن الأزمة اللبنانية لم تعد مقتصرة على المصارف أو العملة أو المؤسسات السياسية، بل باتت تمس حياة الناس مباشرة، ونوعية أعمارهم، وفرصهم في أن يعيشوا بكرامة وصحة. وعندما يبدأ بلد ما بخسارة جزء من عمره المتوقع، فهذا يعني أنه يفقد شيئاً من مناعته الاجتماعية وتوازنه الإنساني أيضاً.بالتالي، ما يشهده لبنان اليوم هو انتقال تدريجي من نموذج صحي كان يُقدَّم على أنه متقدم على مستوى المنطقة، إلى واقع أكثر هشاشة تتحكم به القدرة المالية وتثقل كاهله الأزمات المتراكمة. لذلك، فإن استعادة صورة لبنان الصحية لا يمكن أن تبدأ بالشعارات أو بالحنين إلى الماضي، بل من خلال إعادة بناء منظومة حماية حقيقية تضمن الدواء، والاستشفاء، والرعاية الأولية، وتمنع تحول الصحة إلى امتياز محصور بمن يستطيع تحمل كلفتها. وعندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ يستعيد، ليس فقط قطاعه الصحي، بل أيضاً جزءاً من عمره المهدور.
الجواب هو نعم، لكن المسألة تحتاج إلى تفسير.
تشير أحدث الإحصاءات التي تناولت الواقع اللبناني إلى أن متوسط العمر المتوقع تأثر بشكل ملحوظ منذ بداية الانهيار الاقتصادي عام 2019. فبعدما ظل هذا المؤشر مستقراً بين عامي 2013 و2019، بدأ بالتراجع مع اشتداد الأزمة. فقد بلغ متوسط العمر المتوقع لدى الذكور نحو 77 عاماً في 2020، ثم انخفض إلى 76 عاماً في 2021، قبل أن يعود ويرتفع ويستقر تقريباً عند 79 عاماً في 2023. أما لدى الإناث، فقد تراجع من 80 عاماً في 2019 إلى 71 عاماً في 2021، ثم عاد إلى 75 عاماً في 2023.
ورغم أن الفارق بين الرجال والنساء في هذا المجال ليس مستغرباً من الناحية الديموغرافية، لأن النساء عادة ما يسجلن معدلات أعلى عالمياً، فإن اللافت في الحالة اللبنانية هو أن التراجع شمل الجنسين معاً. وهذا يشير إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بعوامل بيولوجية، بل تعكس خللاً بنيوياً يطال النظام الصحي والظروف المعيشية بشكل عام. صحيح أن بيانات البنك الدولي تظهر أن متوسط العمر المتوقع في لبنان ما زال أعلى من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ 71 عاماً، وأعلى أيضاً من متوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى البالغ 76 عاماً، إلا أن ذلك لا ينفي أن لبنان فقد جزءاً من مكاسبه الصحية التي راكمها سابقاً.
في لبنان، لا يمكن فصل هذا التراجع عن الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في 2019. فقد أدت الأزمة المالية إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، وجعلت الدواء والاستشفاء والفحوصات الدورية عبئاً ثقيلاً على شريحة واسعة من الناس. ومع انهيار قيمة الرواتب، بات كثيرون يؤجلون زيارة الطبيب، أو يخففون جرعات الأدوية، أو يتخلون عن فحوصات ضرورية، أو لا يقصدون المستشفى إلا بعد تفاقم حالتهم. ولم يعد هذا السلوك حالة فردية أو استثنائية، بل أصبح واقعاً يومياً فرضته الأزمة على عدد كبير من اللبنانيين.
الأزمة لم تضرب المرضى فقط، بل أصابت القطاع الصحي نفسه في العمق. فلبنان الذي عُرف لسنوات بامتلاكه كفاءات طبية عالية ومستشفيات ذات مستوى متقدم، دخل مرحلة استنزاف حادة طالت الأطباء والممرضين والتمويل والقدرة التشغيلية. هاجر عدد كبير من أصحاب الاختصاص، وتراجعت قدرة المستشفيات على تقديم بعض الخدمات بالمستوى نفسه الذي كانت عليه، في وقت ارتفعت فيه كلفة المعدات والمستلزمات الطبية، وأصبح استمرار بعض المؤسسات الصحية تحدياً يومياً بحد ذاته. وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد مشكلة مواطن عاجز عن تحمل الكلفة، بل تحولت إلى أزمة نظام صحي يتآكل تدريجياً من الداخل.
ثم جاءت الضربات المتتالية لتزيد الوضع سوءاً. فقد فرضت جائحة كورونا ضغطاً هائلاً على المستشفيات والقطاع الطبي، في وقت كان لبنان يعيش أصلاً واحدة من أسوأ أزماته المالية. وبعدها جاء انفجار مرفأ بيروت ليوجه ضربة قاسية إضافية، ليس فقط بسبب عدد الضحايا والجرحى، بل أيضاً بسبب الأضرار الواسعة التي أصابت البنية الصحية والخدماتية في العاصمة. وبهذا، وجد لبنان نفسه أمام سلسلة من الأزمات المتشابكة: أزمة مالية خانقة، وجائحة عالمية، وصدمة أمنية وإنسانية كبرى، وكل ذلك خلال فترة قصيرة نسبياً.
أما الفارق بين الرجال والنساء في العمر المتوقع، فهو يحمل بدوره دلالات مهمة. فالرجال في لبنان يبدون أكثر عرضة لمجموعة من عوامل الخطر، منها ضغط العمل، والأمراض القلبية، والتدخين، والحوادث، والتأخر في طلب الرعاية الصحية. وفي المقابل، تحافظ النساء غالباً على متوسط أعلى، لكن ذلك لا يعني أنهن بمنأى عن آثار الانهيار، لأن التراجع طال الجميع في نهاية المطاف وإن بدرجات متفاوتة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى المسألة باعتبارها مجرد مقارنة بين الجنسين، بل بوصفها انعكاساً لتدهور أصاب المجتمع اللبناني بأكمله.
والمفارقة أن لبنان لا يزال يحتفظ في الذاكرة الجماعية بصورة البلد الذي كان يُعرف بـ”مستشفى الشرق”، لكن هذا الوصف بات اليوم أقرب إلى ذكرى من الماضي منه إلى واقع مستمر. فالسمعة الطبية وحدها لا تكفي للحفاظ على المؤشرات الصحية إذا انهارت مقومات الدولة، وتراجعت التغطية الاجتماعية، وأصبحت الرعاية الصحية مرتبطة بقدرة الفرد على الدفع بدلاً من أن تكون حقاً أساسياً. ومن هنا، لم تعد المشكلة في وجود أطباء أكفاء أو مستشفيات معروفة فقط، بل في قدرة المواطن العادي على الوصول إلى هذه الخدمات في الوقت المناسب.
إن تراجع العمر المتوقع في لبنان يجب أن يُفهم على أنه جرس إنذار حقيقي. فهو يكشف بوضوح أن الأزمة اللبنانية لم تعد مقتصرة على المصارف أو العملة أو المؤسسات السياسية، بل باتت تمس حياة الناس مباشرة، ونوعية أعمارهم، وفرصهم في أن يعيشوا بكرامة وصحة. وعندما يبدأ بلد ما بخسارة جزء من عمره المتوقع، فهذا يعني أنه يفقد شيئاً من مناعته الاجتماعية وتوازنه الإنساني أيضاً.بالتالي، ما يشهده لبنان اليوم هو انتقال تدريجي من نموذج صحي كان يُقدَّم على أنه متقدم على مستوى المنطقة، إلى واقع أكثر هشاشة تتحكم به القدرة المالية وتثقل كاهله الأزمات المتراكمة. لذلك، فإن استعادة صورة لبنان الصحية لا يمكن أن تبدأ بالشعارات أو بالحنين إلى الماضي، بل من خلال إعادة بناء منظومة حماية حقيقية تضمن الدواء، والاستشفاء، والرعاية الأولية، وتمنع تحول الصحة إلى امتياز محصور بمن يستطيع تحمل كلفتها. وعندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ يستعيد، ليس فقط قطاعه الصحي، بل أيضاً جزءاً من عمره المهدور.

