منذ اللحظة الأولى للحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، وإدخال “حزب الله” لبنان في حرب أكبر منهما، كان لتل أبيب موقف حاسم وواضح بأن حربها على جبهتها الشمالية منفصلة كليًا عن حربها مع إيران. وهذا يعني أن تل أبيب غير معنية بربط أي مفاوضات مستقبلية بين واشنطن وطهران بما تقوم به في لبنان، وهي مصرّة على إكمال حربها الشمالية، وعلى ما تدّعيه بالنسبة إلى القضاء على القوة العسكرية لـ “حزب الله”، الذي أثبت أنه قادر على مواجهة الجيش الإسرائيلي على رغم ما يتكبده من خسائر، وما يحلّ بالبلدات والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني وفي أكثر من منطقة جنوبية وبقاعية وصولًا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت من تدمير شامل وكلّي.
وفي غياب المؤشرات الجدّية لوقف الحرب الكبرى في المنطقة، على رغم المعلومات المتناقضة عن إمكانية التوصّل إلى اتفاق قريب لوقف الحرب، يبرز مشهد مشابه على الساحة اللبنانية في ظل تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية واستمرار محاولات التوغل في الجنوب والبقاع واحتدام المعارك مع “حزب الله”، خصوصًا أن الجهود الديبلوماسية لوضع حدّ لهذه الحرب، التي سيكون لها انعكاسات سيئة جدّا، تقتصر حتى الآن على تحركين مصري وفرنسي لم يرتقيا بعد الى مستوى المبادرة، ولا الى بلورة افكار يمكن ان تؤدي الى وقف هذا الجنون تمهيدًا لوقف اطلاق النار غير مؤمنّة له الظروف المناسبة، في ظلّ عدم حصول القاهرة وباريس على “ضمانات أكيدة” من الجانب اللبناني بالنسبة إلى إمكانية تنفيذ ما أُتخذ من قرارات في جلستي 5 آب و2 آذار، مع استمرار تمسّك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بمبادرته، التي تحتاج، في رأي المصريين والفرنسيين، إلى توفير الظروف الملائمة لكي تبصر النور.
وقد يكون ما صرّح به السفير المصري علاء موسى أكثر تعبيرًا عن الواقع المأزوم حين أشار إلى أن ” صوت السلاح ما زال اعلى من الاصوات الاخرى ونحن نسعى لان تكون الاصوات الاخرى هي الاعلى من صوت السلاح”.
والواضح أنه منذ بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان أن المجتمع الدولي يتصرّف وكأن هذا البلد الصغير بحجمه ليس دولة يجب إنقاذها، بل حرب يجب إدارتها. والفرق بين الأمرين كبير. فإيجاد حل لهذه الحرب المفتوحة، وللأزمات اللبنانية المتلاحقة، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، يعني البحث عن جذورها السياسية والاقتصادية والدستورية والأمنية والعسكرية والديبلوماسية، والعمل على معالجتها جذريًا. أما إدارة الأزمة فتعني منع الانفجار الكبير فقط، وترك البلد ينزف ببطء. وفي الحالتين فإن لبنان لن يصمد طويلًا.
ففي كل محطة مفصلية مرّ بها لبنان، كان الحضور الخارجي واضحًا، من المبادرات الفرنسية، إلى التحركات الأميركية، إلى الاجتماعات الدولية من أجل لبنان، لكن النتيجة العملية لكل هذه التحركات كانت واحدة، وهي منع الانهيار الكامل، من دون تقديم أي مبادرة من شأنها أن تسمح بقيام دولة فعلية وقوية وقادرة وكاملة المواصفات. وهذا ما أوصل البلد إلى ما وصل إليه من حرب غير معروفة النتائج.
بطبيعة الحال فإن المجتمع الدولي لا يريد أن يكون لبنان محتلًا بالكامل، لأن الفوضى التي ستنتج عن هذا الاحتلال تعني موجات هجرة جديدة نحو أوروبا، وتعني توسع الفوضى الأمنية، وتعني فتح ساحات صراع جديدة في المنطقة. لكن هذا المجتمع لا يمارس في المقابل ضغطًا حقيقيًا وكافيًا لفرض حلول جذرية لهذه الحرب المفتوحة، لأن الحلول الجذرية تعني تغييرًا كبيرًا في التوازنات العسكرية القائمة، خصوصًا أن ليس هناك قرارًا دوليًا حاسمًا وجذريًا حتى الآن.
وفي رأي بعض الأوساط الديبلوماسية المتعاطفة مع لبنان كبلد له دور ريادي في المنطقة، أن طريقة تعاطي الخارج مع أزمات لبنان، المستجدّ منها والقديم، تنطلق من فكرة، ولو خاطئة، بأنه بلد يُترك في حالة “لا موت ولا حياة”.
فالمساعدات الموعود بها لبنان تأتي بالقطارة، والضغوط السياسية والديبلوماسية التي تمارس على إسرائيل لوقف حربها محدودة، فيما تصطدم الجهود الداخلية بحائط “حارة حريك”، التي ترفض وقف عملياتها وتسليم سلاحها. فالمبادرات، على قلتها، تظهر ثم تختفي، فيما الرسائل الدولية تكاد تكون واحدة، ومضمونها غير واضح لجهة ما هو المطلوب لوقف آلة الحرب، ووضع حدّ للتوسّع الإسرائيلي في الجنوب، وبالتالي منع الفوضى في الداخل على خلفية كثافة النزوح، والحؤول دون وقوع الانفجار الكبير.
المشكلة الحقيقية اليوم هي أن السياسة التي يقودها الغرب تقوم فقط على مبدأ “إدارة الحرب”، التي يُخشى أن تتحوّل هذه السياسة مع الوقت إلى جزء من هذه الأزمة الكبرى. فعندما يعتاد السياسيون في لبنان على أن الخارج لن يسمح بأن تتمادى إسرائيل في حربها المدّمرة، فهذا يعني إدخال لبنان في حالة من الموت السريري قبل مرحلة الانهيار الكامل. وهذا الواقع يدفع المعنيين إلى التساؤل عن المستقبل، الذي لا يزال مجهولًا وغامضًا، خصوصًا أن لا شيء يوحي بأن الدولة ستصبح في ظل هذه الأوضاع المعقدّة صاحبة القرار الأول والنهائي.
فلبنان اليوم ليس فقط ضحية أزماته الداخلية المتفاقمة بسبب الحرب الدائرة على أرضه، بل هو أيضًا ضحية طريقة تعامل الخارج مع هذه الأزمات. وأخطر هذه الأزمات الأهداف التي تضعها تل أبيب نصب عينيها. وبدلًا من أن يكون الهدف إخراج لبنان من أزمته الراهنة، والضغط على إسرائيل لوقف حربها على هذا البلد الصغير، أصبح الهدف إبقاء الأزمة تحت السيطرة. ولبنان كبير بأزماته الصغيرة، لكنه صغير في حسابات الدول الكبرى، ولذلك يتم التعامل معه كملف يجب تبريده لا حلّه.
وفي غياب المؤشرات الجدّية لوقف الحرب الكبرى في المنطقة، على رغم المعلومات المتناقضة عن إمكانية التوصّل إلى اتفاق قريب لوقف الحرب، يبرز مشهد مشابه على الساحة اللبنانية في ظل تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية واستمرار محاولات التوغل في الجنوب والبقاع واحتدام المعارك مع “حزب الله”، خصوصًا أن الجهود الديبلوماسية لوضع حدّ لهذه الحرب، التي سيكون لها انعكاسات سيئة جدّا، تقتصر حتى الآن على تحركين مصري وفرنسي لم يرتقيا بعد الى مستوى المبادرة، ولا الى بلورة افكار يمكن ان تؤدي الى وقف هذا الجنون تمهيدًا لوقف اطلاق النار غير مؤمنّة له الظروف المناسبة، في ظلّ عدم حصول القاهرة وباريس على “ضمانات أكيدة” من الجانب اللبناني بالنسبة إلى إمكانية تنفيذ ما أُتخذ من قرارات في جلستي 5 آب و2 آذار، مع استمرار تمسّك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بمبادرته، التي تحتاج، في رأي المصريين والفرنسيين، إلى توفير الظروف الملائمة لكي تبصر النور.
وقد يكون ما صرّح به السفير المصري علاء موسى أكثر تعبيرًا عن الواقع المأزوم حين أشار إلى أن ” صوت السلاح ما زال اعلى من الاصوات الاخرى ونحن نسعى لان تكون الاصوات الاخرى هي الاعلى من صوت السلاح”.
والواضح أنه منذ بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان أن المجتمع الدولي يتصرّف وكأن هذا البلد الصغير بحجمه ليس دولة يجب إنقاذها، بل حرب يجب إدارتها. والفرق بين الأمرين كبير. فإيجاد حل لهذه الحرب المفتوحة، وللأزمات اللبنانية المتلاحقة، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، يعني البحث عن جذورها السياسية والاقتصادية والدستورية والأمنية والعسكرية والديبلوماسية، والعمل على معالجتها جذريًا. أما إدارة الأزمة فتعني منع الانفجار الكبير فقط، وترك البلد ينزف ببطء. وفي الحالتين فإن لبنان لن يصمد طويلًا.
ففي كل محطة مفصلية مرّ بها لبنان، كان الحضور الخارجي واضحًا، من المبادرات الفرنسية، إلى التحركات الأميركية، إلى الاجتماعات الدولية من أجل لبنان، لكن النتيجة العملية لكل هذه التحركات كانت واحدة، وهي منع الانهيار الكامل، من دون تقديم أي مبادرة من شأنها أن تسمح بقيام دولة فعلية وقوية وقادرة وكاملة المواصفات. وهذا ما أوصل البلد إلى ما وصل إليه من حرب غير معروفة النتائج.
بطبيعة الحال فإن المجتمع الدولي لا يريد أن يكون لبنان محتلًا بالكامل، لأن الفوضى التي ستنتج عن هذا الاحتلال تعني موجات هجرة جديدة نحو أوروبا، وتعني توسع الفوضى الأمنية، وتعني فتح ساحات صراع جديدة في المنطقة. لكن هذا المجتمع لا يمارس في المقابل ضغطًا حقيقيًا وكافيًا لفرض حلول جذرية لهذه الحرب المفتوحة، لأن الحلول الجذرية تعني تغييرًا كبيرًا في التوازنات العسكرية القائمة، خصوصًا أن ليس هناك قرارًا دوليًا حاسمًا وجذريًا حتى الآن.
وفي رأي بعض الأوساط الديبلوماسية المتعاطفة مع لبنان كبلد له دور ريادي في المنطقة، أن طريقة تعاطي الخارج مع أزمات لبنان، المستجدّ منها والقديم، تنطلق من فكرة، ولو خاطئة، بأنه بلد يُترك في حالة “لا موت ولا حياة”.
فالمساعدات الموعود بها لبنان تأتي بالقطارة، والضغوط السياسية والديبلوماسية التي تمارس على إسرائيل لوقف حربها محدودة، فيما تصطدم الجهود الداخلية بحائط “حارة حريك”، التي ترفض وقف عملياتها وتسليم سلاحها. فالمبادرات، على قلتها، تظهر ثم تختفي، فيما الرسائل الدولية تكاد تكون واحدة، ومضمونها غير واضح لجهة ما هو المطلوب لوقف آلة الحرب، ووضع حدّ للتوسّع الإسرائيلي في الجنوب، وبالتالي منع الفوضى في الداخل على خلفية كثافة النزوح، والحؤول دون وقوع الانفجار الكبير.
المشكلة الحقيقية اليوم هي أن السياسة التي يقودها الغرب تقوم فقط على مبدأ “إدارة الحرب”، التي يُخشى أن تتحوّل هذه السياسة مع الوقت إلى جزء من هذه الأزمة الكبرى. فعندما يعتاد السياسيون في لبنان على أن الخارج لن يسمح بأن تتمادى إسرائيل في حربها المدّمرة، فهذا يعني إدخال لبنان في حالة من الموت السريري قبل مرحلة الانهيار الكامل. وهذا الواقع يدفع المعنيين إلى التساؤل عن المستقبل، الذي لا يزال مجهولًا وغامضًا، خصوصًا أن لا شيء يوحي بأن الدولة ستصبح في ظل هذه الأوضاع المعقدّة صاحبة القرار الأول والنهائي.
فلبنان اليوم ليس فقط ضحية أزماته الداخلية المتفاقمة بسبب الحرب الدائرة على أرضه، بل هو أيضًا ضحية طريقة تعامل الخارج مع هذه الأزمات. وأخطر هذه الأزمات الأهداف التي تضعها تل أبيب نصب عينيها. وبدلًا من أن يكون الهدف إخراج لبنان من أزمته الراهنة، والضغط على إسرائيل لوقف حربها على هذا البلد الصغير، أصبح الهدف إبقاء الأزمة تحت السيطرة. ولبنان كبير بأزماته الصغيرة، لكنه صغير في حسابات الدول الكبرى، ولذلك يتم التعامل معه كملف يجب تبريده لا حلّه.

