منذ بدء الحرب في ٢ آذار بين حزب الله واسرائيل، تتكرر مواقف تل ابيب التي تؤكد أن حكومة نتنياهو ماضية في إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، مع تصميم على تدمير القرى الحدودية والتعامل معها كأرض خالية من السكان.
في المقابل، يواصل حزب الله عملياته ضد إسرائيل خارج مؤسسات الدولة، مع تقديرات اسرائيلية وغربية بامتلاكه ترسانة كبيرة من الصواريخ والقذائف، ما يمنحه القدرة على استمرار القصف لفترات طويلة ورفع مستوى الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وسط هذا التصعيد، يبقى لبنان، ولاسيما جنوبه، على مفترق طرق بين استمرار العدوان الإسرائيلي من جهة وتصعيد حزب الله من جهة أخرى، فيما تتفاقم الآثار على السكان المدنيين يومًا بعد يوم.
في هذا السياق، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي، مارسيل بالوكجي، عبر “لبنان٢٤” أنّ إسرائيل حسمت موقفها بالنسبة للشريط الحدودي، حيث تتجه إلى تحويله إلى أرض محروقة ومنطقة عازلة، من خلال إزالة البنية العسكرية والبشرية التي قد تسمح لحزب الله بإطلاق صواريخ مباشرة على المستوطنات الشمالية.
لكن حسب بالوكجي، هذا لا يعني أنّ خطر الصواريخ سيختفي بالكامل، إذ تبقى إمكانية إطلاق صواريخ فوق شمال الليطاني قائمة كتهديد جزئي بالنسبة الى إسرائيل.
التوغّل الإسرائيلي يتقدّم
كما بات معلوما تظهر خريطة التوغّل الإسرائيلي في جنوب لبنان عبر ثلاثة محاور أساسية.
وحتى تاريخ نشر المقال، تشير المعطيات الميدانية حسب بالوكجي، الى انه وفي القطاع الشرقي، هنالك توغّل من جهة الطيبة نحو دير سريان، مع محاولات للتقدم باتجاه وادي سلوقي ووادي الحجير. كما تظهر الخريطة امتداد الضغط على خط دير ميماس الخيام، مع مؤشرات إلى الاقتراب من ضفاف نهر الليطاني في هذا القطاع، فيما يبقى القتال مفتوحًا عند الخيام والطرق المتصلة بها.
أما في القطاع الأوسط، فيتركّز الضغط حول بنت جبيل ومحيطها. فهناك حركة التفاف من القوزح باتجاه دبل ورشاف، ومن عيترون ومارون الراس نحو عيناتا. وفي الوقت نفسه يحاول الجيش الإسرائيلي التقدّم نحو القنطرة، وهي نقطة استراتيجية تتيح الإشراف على نهر الليطاني وتبعد حوالى خمسة كيلومترات فقط عن الحدود. كما بات على تخوم عدشيت القصير، ما قد يفتح الطريق نظريًا للوصول إلى الليطاني في هذا المحور.
اما بالنسبة الى القطاع الغربي، فتشير المعطيات حسب بالوكجي، إلى توغّل عبر الناقورة وحامول باتجاه البياضة، وأفاد الاعلام الاسرائيلي بأن التوغل وصل إلى عمق 14 كيلومترا وصولا إلى منطقة البياضة، لكن السيطرة هناك ما زالت تجري وسط اشتباكات عنيفة مع حزب الله وقصف متبادل.
ويلفت بالوكجي الى اهمية تلة البياضة بالنسبة الى إسرائيل، اذ تعني عمليًا تثبيت وجود عسكري على محور الناقورة -حامول، وبالتالي خنق الجنوب من جهة البحر والبر معًا.
ويرى أن إسرائيل تتقدم ببطء في الجنوب، إلا أن نمط العمليات يوحي بأنها عملية استنزاف واستطلاع أكثر من كونها احتلالًا واسعًا.
فالجيش الإسرائيلي حسب بالوكجي يعتمد أسلوب الالتفاف حول القرى بدل اقتحامها مباشرة، مع تدمير المباني وتفكيك البنية العسكرية اضافة الى مواجهة الكمائن والعبوات والصواريخ والمسيرات.
حزب الله جهّز نفسه لمعركة طويلة
في المقابل، يرى بالوكجي أنّ “حزب الله” دخل المواجهة وهو يمتلك قدرة تحمّل طويلة نسبيًا.
فخلال خمسة عشر شهرًا، ولا سيما في فترة الهدنة، عمل الحزب على إعادة تموين مخزونه الصاروخي وإدخال السلاح عبر سوريا، بمساعدة فصائل سورية متحالفة معه، وتأمين موارد مالية عبر قنوات رسمية وغير رسمية.
هذا يعني أنّ الحزب ما زال قادرًا على الاستمرار في القتال، حتى مع ازدياد الاستهدافات لكوادره وقياداته والإخلاءات والضربات الإسرائيلية التي تستهدف بيئته في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، والعمق اللبناني، بهدف الضغط على الحاضنة الاجتماعية ودفعها نحو مسألة نزع السلاح.
القرار الرسمي في مأزق
امام توسيع رقعة التصعيد، تواصل الدولة حراكها سياسياً ودبلوماسياً، لوقف الحرب، وكانت آخر الجهود، مبادرة السلام التي اطلقها الرئيس جوزاف عون، التي وصلت الى طريق مسدود، بسبب الانقسام الداخلي وعدم رغبة اسرائيل فيها. فالدولة عملياً تواجه حربا لم تتخذ قرارها، بل فرضت عليها، وادت إلى نزوح قسري لمئات آلاف النازحين وضغط ميداني يحد من قدرتها على فرض سيطرتها الكاملة.
ويقول بالوكجي، ان تمدد نفوذ “حزب الله” داخل النظام السياسي جعل قرار الدولة، بما فيه قرار الجيش، محدود القدرة على التحرك المستقل.
وقد ظهر ذلك في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، حيث بقيت الخطة العسكرية محكومة بقيود سياسية وثغرات تنفيذية.
هذا ويحاول الجيش الحفاظ على وجوده في الجنوب، عبر إعادة الانتشار والتموضع، والتنسيق مع اليونيفيل. ويقول بالوكجي: الدور الأكثر واقعية للجيش اليوم هو حماية السلم الأهلي ومنع الانفجار الداخلي، خصوصًا في المناطق الحساسة مثل بيروت الإدارية.
بوابة الفصل السابع
أمام مشهد الاحتلال والقصف والتهجير القسري، يبرز طرح مواكبة دولية جدّية للجيش في الجنوب، وربما من خلال نقل مهمة القوات الدولية من الفصل السادس إلى الفصل السابع.
وهذا القرار يمنح مجلس الأمن الدولي صلاحيات واسعة لفرض تنفيذ قراراته، بما في ذلك استخدام القوة. لذلك يُنظر إليه كأداة ضغط فعّالة عندما تفشل الآليات التقليدية القائمة على التوافق أو الالتزام الطوعي.
لكن في المقابل، يواجه هذا الخيار عوائق سياسية واقعية. فصدور قرار من هذا النوع يتطلب توافقًا داخل المجلس وعدم استخدام حق النقض من الدول الدائمة العضوية، وهو أمر غالبًا ما يكون صعبًا في ظل الانقسامات الدولية.
أما داخليًا في لبنان، فالمسألة أكثر حساسية. إذ يُنظر إلى أي انتقال نحو الفصل السابع باعتباره خطوة باتجاه تدويل الأزمة اللبنانية، أو تدخّل مباشر في إدارة الملف الأمني، وهو ما يثير مخاوف مرتبطة بالسيادة وبإمكان فرض ترتيبات أمنية من الخارج.

