رغم خطورة الهجوم واتساع رقعته، لم تُسجَّل أي زيارات رسمية بارزة لرئيس الحكومة إلى عواصم عربية أو دولية، ولم تُطرح مبادرات واضحة على المستوى الخارجي. هذا الغياب يطرح تساؤلات جدية حول موقع لبنان الرسمي في شبكة الاتصالات الدولية، وكأن البلاد تُركت خارج دوائر التأثير في لحظة مفصلية. فلم نشهد جولات دبلوماسية نشطة، ولا لقاءات مؤثرة مع أطراف قادرة على الضغط لوقف العدوان، ما يعزز الانطباع، بحسب مصدر وزاري سابق، بأن الحكومة لم تُفعّل الأدوات المتاحة لها، أو أنها تواجه قيودًا تتجاوز قدرتها على التحرك.
في المقابل، يستحضر مصدر سياسي أداء حكومة نجيب ميقاتي عام 2024 كنموذج مختلف. يومها، ومع تصاعد الحرب في غزة وامتدادها إلى لبنان، بادر ميقاتي سريعًا إلى تحرك عربي ودولي، بدأه بزيارة قطر، وتبعه بسلسلة زيارات خلال 66 يومًا، شملت مصر وتركيا والأردن وسلطنة عُمان وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وإيرلندا والفاتيكان وإيطاليا. هدفت هذه التحركات، وإن كانت في ظل اعتراضه على حرب الإسناد التي دخلها حزب الله، إلى حشد دعم إقليمي ودولي لوقف إطلاق النار، إذ أبى أن يتفرج على القصف الإسرائيلي الذي طال الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وبيروت. ذلك الحراك عكس إدراكًا واضحًا لأهمية المبادرة السياسية في أوقات الأزمات، وسعيًا لاستثمار الزخم الإقليمي والدولي لصالح حماية الاستقرار الداخلي، حيث انتهت الاتصالات إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وتشير أوساط سياسية إلى أن حكومة سلام لا تعاني فقط من ضغط الملفات الداخلية، بل من اختلال في ترتيب الأولويات. إذ يطغى عنوان حصر السلاح، على أهميته منذ تشكيلها، على ما عداه، في وقت تتراجع فيه ملفات حيوية مثل الأمن الداخلي، والانهيار الاقتصادي، والتدهور المالي. وهذا التركيز الضيق يأتي على حساب مقاربة شاملة للأزمة، خصوصًا في ظل حرب خارجية مفتوحة، وتهديدات إسرائيلية بقضم أراضٍ في الجنوب، وأزمة نزوح داخلي متفاقمة. كما أن الأداء الحكومي، رغم الاجتماعات اليومية المخصصة لملف النازحين، لا يرقى، بحسب مصادر سياسية، إلى مستوى التحديات، سواء من حيث سرعة الاستجابة أو فعالية الخطط الإغاثية.
انتقادات داخلية وتصاعد الضغط الشعبي:
تتصاعد الانتقادات من جهات متعددة، لا سيما البلديات، التي تواجه أعباء مباشرة نتيجة نزوح السكان من الجنوب والضاحية. وقد بدأت هذه الجهات ترفع الصوت بشأن تقاعس الحكومة في إدارة الملف الإنساني، في ظل غياب خطط واضحة ومستدامة. هذا الواقع يفاقم معاناة المواطنين، ويعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة التي لم تجد طريقها إلى الحل حتى الآن.
في موازاة كل ذلك، يبدو حراك سفراء الخماسية في لبنان باهتًا، من دون مبادرات حاسمة تُذكر. أما المبادرة المصرية، التي نقلها وزير الخارجية المصري إلى لبنان، فهي في جوهرها استكمال لطروحات سابقة كانت قد قدمتها القاهرة قبل اندلاع الحرب الأخيرة، ما يعكس غياب أفكار جديدة أو ضغوط فعالة لتغيير مسار الأحداث.
أمام كل ذلك، هل المشكلة داخلية أم خارجية؟ وهل ما نشهده هو تقاعس من الحكومة اللبنانية الحالية، أم أن الأبواب العربية والدولية موصدة أمامها في هذه المرحلة، بانتظار تبلور نتائج الحرب الإقليمية الكبرى؟
ثمة من يرى أن القرار الدولي اليوم مؤجَّل، وأن العواصم الكبرى تترقب مآلات الحرب الإسرائيلية–الأميركية–الإيرانية قبل إعادة تحريك الاتصالات بشأن لبنان. لكن في المقابل، يذكّر آخرون بأن حكومة ميقاتي، حتى في ظل ربط جبهة لبنان بجبهة غزة، لم تتوقف عن التواصل مع الخارج، ولم تتردد في طرق الأبواب العربية والدولية لمحاولة الضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار والقرارات الدولية.
بين حراك 2024 الذي اتسم بدينامية دبلوماسية واضحة، ومشهد 2026 الذي يغلب عليه الجمود، تتكشف فجوة في مقاربة إدارة الأزمات. فلبنان، الذي يقف مرة جديدة على خط النار، لا يحتاج، بحسب المصدر الوزاري نفسه، إلى شعار واحد أو ملف واحد، بل إلى رؤية متكاملة تجمع بين: دبلوماسية نشطة ومستقلة خارجيًا، إدارة داخلية فعالة للأزمات الإنسانية والاقتصادية، وتوازن في ترتيب الأولويات الوطنية”.

