قد تكون في هاتين القراءتين عناصر واقعية، لكن مقاربة ثالثة تبدو أدق، وتنطلق من أنّ إسرائيل تسعى عمليًا إلى استباق الضغوط المتزايدة نحو وقف إطلاق النار، وإلحاق الجبهة اللبنانية بمشروع الاستقرار في المنطقة، عبر رفع الكلفة إلى الحد الأقصى. الهدف من ذلك مزدوج: الاستفادة من “الفرصة الأخيرة” المتاحة، ثم الدخول إلى المرحلة التالية من موقع أكثر راحة سياسيًا وعسكريًا، بما يسمح لها بفرض شروطها في أي مفاوضات مقبلة.
باختصار، تحاول إسرائيل أن تستبق التهدئة المحتملة بالإمساك بأكبر عدد ممكن من أوراق القوة، لا سيما بعد صدور بيان عن رئاسة الجمهورية يعلن عن اول اتصال هاتفي ثلاثي لبناني أميركي إسرائيلي في واشنطن والاتفاق على عقد اول اجتماع يوم الثلاثاء المقبل في مقر الخارجية الاميركية للبحث في الإعلان عن وقف لإطلاق النار وموعد بدء التفاوض بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية .
وهكذا يتحول الميدان إلى “طاولة تفاوض مسبقة”، إن صح التعبير، وتتحول الغارات المستمرة بقوة في جنوب لبنان اليوم ، والتي لا يجوز اختزالها بوصفها رسائل عسكرية معزولة، إلى وسيلة لكتابة بعض بنود مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. والسؤال هنا: هل تستطيع تل أبيب أن تحسم بذلك نتيجة المفاوضات سلفًا لصالحها، وخصوصًا في ظل انقسام داخلي لبناني صار أكثر من نافِر حتى في مقاربة ما يجري؟
الميدان يسبق السياسة
في الساعات الأخيرة، تصاعد الحديث عن المفاوضات وآفاقها، بالتزامن مع موجات التصعيد الإسرائيلي التي قرأها كثيرون على أنها اندفاعة أخيرة قبل التهدئة، حتى لو نفت تل أبيب، ومعها واشنطن، أن يكون لبنان مشمولًا بهدنة الأسبوعين التي تمّ التوصل إليها مع إيران. فإسرائيل تدرك أنّ الضغوط لوقف النار ستتصاعد، كما تدرك أيضًا أنّ وقف النار سيكون بوابة تفتح تلقائيًا ملفات السلاح، والحدود، والضمانات، وقواعد الاشتباك الجديدة.
لذلك، تسعى إسرائيل إلى الوصول إلى طاولة المفاوضات بعدما تكون قد أوصلت مستوى الإنهاك اللبناني إلى ذروته. ويعكس هذا السلوك قناعة إسرائيلية بأن الوقائع المكرّسة في “الأيام الأخيرة” هي الأكثر تأثيرًا في صياغة الاتفاقات السياسية. فالطرف المنهك ميدانيًا ونفسيًا وماليًا يصل عادة إلى الطاولة بقدرة ضئيلة على المناورة. وعلى هذا الأساس، يُقرأ التصعيد الحالي بوصفه محاولة إسرائيلية مدروسة وواضحة لتعديل موازين القوى قبل أن يبرد الميدان.
من هنا، يبدو السؤال الحقيقي متصلًا بالموازين التي ستحيط بهذه التهدئة، وعلى حساب من ستُرسم. ومن هذه الزاوية، يتّخذ الضغط على لبنان شكلًا متعدد الطبقات: عسكري بالتدمير، وسياسي بفرض نقاشات “اليوم التالي”، ونفسي عبر دفع اللبنانيين إلى الشعور بأن الاستمرار يهدد ما تبقى من مقومات الحياة. والأكيد أنّ هذا التراكم لا يهدف فقط إلى انتزاع رغبة في وقف النار، وإنما إلى انتزاع قابلية للقبول بتسويات صعبة تحت وطأة التعب.
ما الذي تريد تل أبيب انتزاعه؟
من الواضح أنّ تل أبيب حسمت خيارها بأن العودة إلى “ما قبل الحرب” لم تعد مطروحة في قاموسها. ما تريده هو ترجمة التفوق الناري إلى مكاسب سياسية وأمنية مستدامة، تتعلق بتموضع الدولة في الجنوب، وموقع السلاح، وحدود الحركة. وهذا ما يفسر تقدّم نقاشات “ما بعد الحرب” بالتوازي مع اشتداد وتيرة الحرب نفسها في الأيام الأخيرة، لأنّ الرهان الإسرائيلي يبقى، أولًا وأخيرًا، على الميدان لتغيير الموازين وفرض الشروط.
في العمق، تسعى إسرائيل إلى إيصال لبنان إلى لحظة يختلط فيها “مطلب وقف الحرب” بضرورة “إعادة تنظيم الداخل”. وعندها، تصبح ملفات السيادة والقرار والترتيبات الحدودية جزءًا من سلّة واحدة. الخطورة هنا تكمن في أنّ النقاش لم يعد محصورًا بوقف الغارات، وإنما بشكل “لبنان الجديد” الذي سيخرج من تحت أنقاضها، وهو ما يعني أنّ أي ضعف إضافي الآن قد يتحول لاحقًا إلى تنازل عن القدرة على صدّ الشروط أو تعديلها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ إسرائيل ستنال كل ما تصبو إليه. فالتاريخ اللبناني يؤكد أنّ التدمير وحده لا يصنع استقرارًا سياسيًا، وأنّ ما يُفرض بالقوة يبقى هشًا ما لم يتحول إلى توازن واقعي قابل للحياة. ومع ذلك، يظل الخطر قائمًا، لأنّ تل أبيب معنية اليوم بشراء موقع تفاوضي بالنار، حتى لو لم تنجح في تحويله كاملًا إلى نتائج نهائية. وهذا وحده كافٍ لجعل هذه المرحلة من أخطر مراحل الحرب، لأن أثرها سيظهر بوضوح فور صمت المدافع.
في المحصلة، يبدو التصعيد الإسرائيلي الحالي، الذي قد يكون “الأخير” قبل التهدئة وبدء التفاوض، محاولة لرفع “كلفة اللحظة” إلى أقصاها، بحيث يأتي وقف النار محمّلًا بنتائج سياسية جاهزة للاستثمار. ومن هنا، فإنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في استمرار الغارات وحده، وإنما في نوع “اللبنان” الذي يُراد دفعه إلى تلك التهدئة: لبنان أكثر إنهاكًا، وأقل قدرة على المناورة السياسية والدبلوماسية حين يبدأ الكلام الجدي عن “اليوم التالي”.

