بعد تلاوة الإنجيل المقدّس القى البطريرك الراعي عظة تناول فيها ما ورد في كلمة الرب يسوع في ختام إنجيل متّى: “أنا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم”، معتبرًا أنّ هذا النص هو الوصيّة الأخيرة التي تركها المسيح لتلاميذه، وهي ليست مجرّد كلمات وداع، بل عهد حضور دائم، حضور حيّ وفعلي، حضور محبة وسلام، يرافق الكنيسة والإنسان في كل زمان ومكان”.
وأشار إلى أنّ “هذا الوعد الإلهي “أنا معكم” هو أساس الرجاء المسيحي، لأنّه يعني أنّ الإنسان ليس متروكًا في ضعفه، ولا وحيدًا في آلامه، بل إنّ المسيح يسير معه في دربه، يواكبه في تجاربه، ويثبّته في رسالته”. و دعا إلى” التمسّك بهذه النعمة، نعمة البقاء في الرسالة التي تسلّمناها، رسالة الشهادة للحق والمحبة والسلام، وعدم التخلّي عنها مهما اشتدت الصعوبات”.
وتوقّف عند مشهد عودة النازحين إلى قراهم، موضحًا أنّ “التأخير في الوصول إلى جزّين كان سببه هذا المشهد المؤثر، حيث الناس يعودون إلى بيوتهم المهدّمة، حاملين فرشهم على أكتافهم، عائدين إلى بيوتهم، إلى أرضهم”. وقال :”إنّ هذا المنظر يدمي القلب، لأنّ الإنسان يُجبر على العودة إلى الخراب، لكنه في الوقت عينه يفتح باب الرجاء، لأنّه يعبّر عن تعلّق الإنسان بأرضه، وعن إيمانه بأنّ الحياة أقوى من الدمار”.
وشدّد على أنّ “كل شبر من لبنان هو مساحة حياة وانتماء، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لأنّها جزء من هويته ووجوده”. و أكّد أنّ” السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، لأنّ من دونه لا يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة”.
وتساءل : “لماذا الحرب؟ هل ربحت أي حرب شيئًا؟”، مؤكدًا أنّ” كل حرب هي خسارة، وأنّ الرابح فيها هو في الحقيقة خاسر، لأنّها تدمّر الإنسان قبل الحجر، وتزرع العداوة بدل المحبة”. وقال إنّ “الحرب لا تصنع مستقبلًا، بل تهدم الحاضر وتسرق الغد”، داعيًا إلى “رفض منطق العنف والتمسّك بمنطق الحوار”.
وأضاف :” أنّ اللبنانيين تعبوا من الحروب، من القتل والدمار، ومن رؤية شبابهم يهاجرون، ويضيع تعب العمر سدى، لأنّ قنبلة واحدة قادرة على تدمير ما بُني في سنوات طويلة”. واعتبر أنّ “الحرب ليست مرجلة، بل إنّ المرجلة الحقيقية هي في امتلاك العقل والحكمة، وفي القدرة على الحوار والتفاهم”.
وأوضح أنّ” الله نفسه لم يتعامل مع الإنسان بالعنف، بل بالحوار، إذ كلمنا منذ القديم بأنواع وطرق شتى، وبلغ هذا الحوار كماله في يسوع المسيح، الذي جاء ليعلن المحبة لا العنف، والغفران لا الانتقام”. و شدّد على أنّه “عيب علينا ألا نتفاوض”، لأنّ الكرامة الحقيقية هي في الجلوس إلى طاولة الحوار “من الند إلى الند”، والبحث عن حلول تحفظ كرامة الجميع.
وأشار إلى أنّ” هذه هي إرادة المسيح الذي قال: “كما أرسلني أبي أنا أرسلكم… اذهبوا وتلمذوا”، أي أنّ الرسالة المسيحية هي رسالة سلام، ورسالة لقاء، ورسالة بناء، لا رسالة صراع وانقسام. وأضاف أنّ المسيح عندما قال “أنا معكم”، إنما أراد أن يرافق هذه الرسالة، ويمنحها القوة لتستمر”.
وأكد الراعي أنّ “لبنان هو بلد الشهادة، بلد الرسالة، وأنّ ما يميّزه هو هذا التنوع الذي يشكّل غنى لا ضعفًا”، قائلاً:” إنّ اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، يشكّلون معًا لوحة فسيفساء جميلة، وهذا ما عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني عندما وصف لبنان بأنّه “أكثر من وطن، إنّه رسالة”.
وشدّد على أنّ “اللبناني لا يغلق بابه في وجه أخيه، بل يفتح قلبه وبيته، كما حصل مع النازحين الذين استُقبلوا في القرى والبلدات”، معتبرًا أنّ “هذه الروح هي التي تحفظ لبنان، وهي التي تعطيه معناه الحقيقي”.
وأضاف:” أنّ كل من يزور لبنان، من سفراء وأجانب، يشهد بجماله، ليس فقط بطبيعته، بل بشعبه، بثقافته، بديمقراطيته، وبتعدديته، مؤكّدًا أنّ هذا الجمال يجب أن يُحفظ ويُصان من خلال التمسّك بالسلام”.
ودعا إلى” الصلاة كي تستمر الهدنة وتتحوّل إلى سلام دائم”، قائلاً:” إنّ السلام هو عظمة الإنسان، بينما الحرب هي ضعف الإنسان”. وأكد أنّ “البطل الحقيقي ليس من يخوض الحروب، بل من يبني السلام، ومن يعمل على جمع الناس لا تفريقهم”.
وختم الراعي عظته برفع الصلاة إلى الله، طالبًا أن” يتقبّل هذه النية، وأن يفيض بنعمته على لبنان”، قائلاً: “نعدك يا رب أن نحمل محبتك وسلامك إلى بيوتنا ووطننا، وأن نستمد منك النور لننقله إلى العالم”، داعيًا الجميع إلى أن يكونوا” شهودًا لهذا السلام في حياتهم اليومية، ليبقى لبنان أرض رسالة، وأرض محبة، وأرض سلام”.

