للإضاءة على هذا الموضوع عقد المركز العربي في بيروت، جلسة نقاشية في فندق “راديسون بلو – فردان” في العاصمة اللبنانية، بمشاركة عدد من ممثلي الإدارات العامة ووحدات إدارة الكوارث ومنظمات أممية ودولية ومحلية، بالإضافة إلى مشاركة خبراء ومتخصصين في مجال الاستجابة الإنسانية في الكوارث. وقد أدار الجلسة الدكتور ناصر ياسين، مدير المركز العربي في بيروت، الذي أكد في مستهل عرضه أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منتصف ليل 16/17 آذار، “لم يلغِ أزمة النزوح، حيث إن ما يقرب من 40 ألف وحدة سكنية حتى السابع من نيسان، قد تدمّرت في جولات الاقتتال التي استمرت 43 يومًا، مما يمنع نحو 40 ألف عائلة على الأقل من العودة إلى منازلها ويبقيها مهجرة قسرا”.
في معرض تقديمه للدراسة، التي استندت إلى ثماني جلسات نقاش مركّزة مع نازحين ونازحات من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، أشار الدكتور ياسين إلى أن نحو 141 ألف نازح (15% من مجموع النازحين) فقط كانوا يقيمون في مراكز الإيواء الرسمية، من مجموع 1.2 مليون نازح (أكثر من 20 في المئة من مجمل سكان لبنان)، في حين توزّعت الغالبية العظمى من النازحين/ات، اي ما يقارب 85% منهم، ما بين المساكن المستأجرة أو الإقامة لدى أقارب لها، في ظروف هشّة غير مستقرة؛ وهم موضوع الدراسة.
وقد أظهرت إفادات النازحين المشاركين في الدراسة أن النزوح لم يكن مجرّد انتقال جغرافي، بل تجربة قسرية قاسية رافقها فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، وضغوط نفسية واقتصادية متزايدة. وقد ساهم الطابع الحضري للنزوح في تفاقم الأزمة، حيث أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الإيجارات، وانتشار الاكتظاظ داخل المساكن، وتراجع جودة الخدمات الأساسية، فضلًا عن ممارسات تمييزية في سوق السكن.
اقتصاديًّا، يعيش النازح اللبناني اليوم “معادلة المستحيل”. فمع فقدان مصادر الرزق، تحوّل النزوح إلى نزيف مالي مستمر، في معادلة “إنفاق بلا دخل”، حيث ينفق النازح ما لا يملك؛ فالمساعدات لا تصل إلا لمن هم في مراكز الإيواء، ونادرًا ما يستفيد النازح خارجها من أي مساعدة تخفف عنه وطأة النزوح.
علاوة على ذلك، أكد الدكتور ياسين أن الدراسة سجّلت وجود فجوة واضحة بين حجم النزوح ومستوى الاستجابة الإنسانية، خصوصًا للنازحين ممن هم خارج مراكز الإيواء، في ظل دور حكومي محدود جدًّا، واستجابة دولية أبطأ وأضعف مقارنة بموجات نزوح سابقة، كما في حرب عام 2024. كما عبّر النازحون المشاركون في الدراسة عن وجود مشكلات في آليات التسجيل والتوزيع، حيث فشل كثير منهم في الحصول على أي دعم فعلي.
ولعل أعمق ما لمسته الدراسة، بحسب الدكتور ياسين، هو الأثر النفسي والاجتماعي؛ فالنزوح لم يسلب النازح بيته فحسب، بل خدش “كرامته الإنسانية”، في ظل فقدانه خصوصيته، وشعوره بالاعتماد القسري على الآخرين، فضلًا عن تجربة الوصم الاجتماعي/الطائفي/السياسي، ما جعل النازح يبحث عن “الاحترام” وعن شعور بأنه لا يزال جزءًا أصيلًا من نسيج هذا الوطن، لا ضيفاً ثقيلًا عليه.
تلت عرض الدكتور ياسين مداخلاتٌ من المشاركين/ات في الجلسة النقاشية أكدت في مجملها حقيقة أن الاستجابة الإنسانية اقتصرت على مراكز الإيواء فقط، وأن المعاناة الأكبر كانت من نصيب النازحين خارج أماكن الإيواء. ولفت المشاركون إلى شحّ الدعم والمساعدات من الدول العربية والأجنبية، مقارنة بتجربة حرب عام 2024. فضلًا عن ذلك، رأى المشاركون أن الوزارات المعنية في لبنان تفتقر إلى وضع خطط استجابة في حالات الكوارث، على الرغم من الكم الكبير من الدراسات التي تنبّأت “بحدوث تصعيد أمني قادم”.
واعتبر المشاركون أنّ هناك مجموعة من النقاط الأساسية التي يجب العمل عليها، لا سيّما في ظلّ وقف إطلاق النار. وفي مقدّمة هذه الأولويات، تبرز آليات الاستجابة الإنسانية، ولا سيّما ما يتعلّق بالمساعدات النقدية، من حيث آليات صرفها وتوزيعها بشكل عادل وفعّال.
كما شدّد المشاركون على أهمية العمل على ملف السكن والإسكان، انطلاقًا من الدور المحوري للدولة في تأمين المأوى، خصوصًا للنازحين العائدين إلى قراهم بعد تدمير منازلهم، ما يستدعي فتح نقاش جدّي حول السياسات والإجراءات المطلوبة في هذا المجال.
وفي السياق نفسه، تم التأكيد على ضرورة تفعيل اللامركزية، من خلال تعزيز دور المحافظين والبلديات، وتمكينهم من التحلّي بالمرونة اللازمة للاستجابة للاحتياجات المحلية. كذلك، أشار المشاركون إلى أهمية تعزيز التعاون مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، بما يساهم في فهم أعمق لديناميكيات التهجير والنزوح.
وفي التوصيات، شدّدت الدراسة على أن وقف الاعتداءات العسكرية بكافة أشكالها هي شرط أساسي لأي تحسّن، كما دعت إلى اعتماد الدعم النقدي المباشر، وتنظيم قطاع السكن، وضرورة تأمين الخدمات الأساسية والصحية وإصلاح آليات الاستجابة بما يضمن وصولًا أكثر عدالة وشمولًا محترما الكرامة الانسانية، خصوصاً للنازحين خارج مراكز الإيواء.

