لم يعد الجدل اللبناني الدائر حول التفاوض مع إسرائيل مجرد خلاف تقني على شكل “الطاولة”، أو هوية الوفد، أو حدود الصلاحيات الدستورية بين القوى والمؤسسات. فالمشهد المتفجر في الجنوب والجمود في العاصمة يشيران إلى أن الصراع انتقل من البحث في النصوص إلى معركة حاسمة على “الوقت” وإيقاعه.
في العمق، تحوّل النقاش إلى تساؤل جوهري حول مَن يملك حق تحديد المسار: هل هي الدولة بمؤسساتها، أم “حزب الله” بميدانه، أم أن الإيقاع صار رهنًا بالضغوط الأميركية والعمليات الإسرائيلية المتسارعة؟ ومن يستفيد من إبقاء لبنان عالقًا بين وقف نار غير مكتمل، ومفاوضات غير منطلقة، وضغط ميداني يتقدّم أسرع من قدرة المؤسسات على إنتاج موقف واحد؟
هذا هو السؤال الذي صار يتقدّم على ما عداه. فتعثر اللقاء بين الرؤساء الثلاثة لم يعد تفصيلًا بروتوكوليًا، إذ يعكس عجزًا داخليًا واضحًا عن إنتاج موقف واحد لمخاطبة الخارج في مواجهة الحرب. فبينما يتقدّم الضغط الميداني بسرعة قياسية، تبدو المؤسسات اللبنانية في حالة “مراوحة” تمنح الأطراف الدولية والميدانية فرصة ذهبية لفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها لاحقًا.
صراع المقاربات
هنا يبرز التباين الواضح في القراءة السياسية بين القوى اللبنانية كعقبة أساسية أمام أي مسار ديبلوماسي. فالرئيس جوزاف عون يتبنى موقفًا يربط أي بحث في التفاوض بضرورة تنفيذ إسرائيل الكامل لوقف إطلاق النار أولًا، وذلك لقطع الطريق على تل أبيب التي تحاول انتزاع مكاسب سياسية في وقت تواصل فيه تدمير القرى والبلدات في الجنوب.
في المقابل، يظهر موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” متوجسًا من أي تفاوض مباشر في هذه اللحظة، انطلاقًا من قراءة ترى أن الذهاب إلى هذا الخيار تحت النار يعني تقديم تنازل مجاني، وهو ما يرفضه الثنائي الذي يصر على أن الميدان هو من يحدد السقوف، وليس الإملاءات الخارجية.
وبين هذين المنطقين، يتسع هامش الفراغ الذي تستغله إسرائيل لفرض “وقائع صلبة” على الأرض. فغياب التوافق اللبناني على هوية “المفاوض” وشروط “التفاوض” يجعل الساحة عرضة لاستنزاف طويل، ويحول الدولة من شريك في رسم الحل إلى مجرد متلقٍ للرسائل السياسية التي تُكتب بالحديد والنار جنوبًا.
كما ان البيان الصادر عن السفارة الاميركية في بيروت رسم خطا واضحا للمسار الذي تطلبه واشنطن وهو اللقاء المباشر بين الرئيس عون ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو.
حين يصبح الوقت عدوًا
المفارقة أن كل طرف يتحدث عن حماية لبنان، لكنه يقرأ الخطر من زاوية مختلفة. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف التقدير، إذ تتمثل الخطورة الحالية في أن لبنان بات يفاوض نفسه أكثر مما يفاوض الخارج. فكلما غاب البيان الرسمي الجامع والموقف الموحد، تحولت التصريحات المتناقضة إلى مادة للاستثمار الدولي.
هذا التشرذم يضعف الموقف اللبناني أمام السقف الأميركي الجديد، الذي يبدو أكثر تماهيًا مع المطالب الإسرائيلية تحت ستار “الواقعية السياسية”. وبذلك، تبدو إسرائيل هي المستفيد الأول من حالة “إرباك الوقت” الحالية، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى اتفاق مكتوب ما دام الضغط العسكري قادرًا على تحقيق أهدافها ميدانيًا. الخطر الحقيقي هو أن يتحول وقف النار غير المكتمل إلى “مرحلة انتقالية” مديدة؛ لا هي حرب شاملة تفرض تسويتها، ولا هي سلم مستدام يعيد الاستقرار والنازحين.
في هذا السياق، تبرز معضلة الإمساك بالمبادرة؛ فلبنان لا يمكنه مواجهة الضغوط الخارجية بتعدد الأصوات. فإذا استمر الانتظار المتبادل بين الأطراف الداخلية، فإن الخارج لن ينتظر أحدًا. واشنطن تتحرك وفق ساعة انتخاباتها ومصالحها، وتل أبيب تدمج الأمن بالسياسة وفق رؤيتها، بينما يبقى لبنان مهددًا بأن يخسر “ساعة القرار” لمصلحة صانعي الخرائط الجدد.
ولذلك، فإن الدولة اليوم أمام اختبار مصيري لا يحتمل الترف السياسي: فإما أن تثبت حضورها كدولة تملك شروطًا واضحة وسقفًا سياديًا، أو تترك الآخرين يحددون لها موعد الخسارة وشكل التسوية المفروضة.والبيان الاميركي الاخير مؤشر على ما هو مرتقب.
في العمق، تحوّل النقاش إلى تساؤل جوهري حول مَن يملك حق تحديد المسار: هل هي الدولة بمؤسساتها، أم “حزب الله” بميدانه، أم أن الإيقاع صار رهنًا بالضغوط الأميركية والعمليات الإسرائيلية المتسارعة؟ ومن يستفيد من إبقاء لبنان عالقًا بين وقف نار غير مكتمل، ومفاوضات غير منطلقة، وضغط ميداني يتقدّم أسرع من قدرة المؤسسات على إنتاج موقف واحد؟
هذا هو السؤال الذي صار يتقدّم على ما عداه. فتعثر اللقاء بين الرؤساء الثلاثة لم يعد تفصيلًا بروتوكوليًا، إذ يعكس عجزًا داخليًا واضحًا عن إنتاج موقف واحد لمخاطبة الخارج في مواجهة الحرب. فبينما يتقدّم الضغط الميداني بسرعة قياسية، تبدو المؤسسات اللبنانية في حالة “مراوحة” تمنح الأطراف الدولية والميدانية فرصة ذهبية لفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها لاحقًا.
صراع المقاربات
هنا يبرز التباين الواضح في القراءة السياسية بين القوى اللبنانية كعقبة أساسية أمام أي مسار ديبلوماسي. فالرئيس جوزاف عون يتبنى موقفًا يربط أي بحث في التفاوض بضرورة تنفيذ إسرائيل الكامل لوقف إطلاق النار أولًا، وذلك لقطع الطريق على تل أبيب التي تحاول انتزاع مكاسب سياسية في وقت تواصل فيه تدمير القرى والبلدات في الجنوب.
في المقابل، يظهر موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” متوجسًا من أي تفاوض مباشر في هذه اللحظة، انطلاقًا من قراءة ترى أن الذهاب إلى هذا الخيار تحت النار يعني تقديم تنازل مجاني، وهو ما يرفضه الثنائي الذي يصر على أن الميدان هو من يحدد السقوف، وليس الإملاءات الخارجية.
وبين هذين المنطقين، يتسع هامش الفراغ الذي تستغله إسرائيل لفرض “وقائع صلبة” على الأرض. فغياب التوافق اللبناني على هوية “المفاوض” وشروط “التفاوض” يجعل الساحة عرضة لاستنزاف طويل، ويحول الدولة من شريك في رسم الحل إلى مجرد متلقٍ للرسائل السياسية التي تُكتب بالحديد والنار جنوبًا.
كما ان البيان الصادر عن السفارة الاميركية في بيروت رسم خطا واضحا للمسار الذي تطلبه واشنطن وهو اللقاء المباشر بين الرئيس عون ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو.
حين يصبح الوقت عدوًا
المفارقة أن كل طرف يتحدث عن حماية لبنان، لكنه يقرأ الخطر من زاوية مختلفة. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف التقدير، إذ تتمثل الخطورة الحالية في أن لبنان بات يفاوض نفسه أكثر مما يفاوض الخارج. فكلما غاب البيان الرسمي الجامع والموقف الموحد، تحولت التصريحات المتناقضة إلى مادة للاستثمار الدولي.
هذا التشرذم يضعف الموقف اللبناني أمام السقف الأميركي الجديد، الذي يبدو أكثر تماهيًا مع المطالب الإسرائيلية تحت ستار “الواقعية السياسية”. وبذلك، تبدو إسرائيل هي المستفيد الأول من حالة “إرباك الوقت” الحالية، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى اتفاق مكتوب ما دام الضغط العسكري قادرًا على تحقيق أهدافها ميدانيًا. الخطر الحقيقي هو أن يتحول وقف النار غير المكتمل إلى “مرحلة انتقالية” مديدة؛ لا هي حرب شاملة تفرض تسويتها، ولا هي سلم مستدام يعيد الاستقرار والنازحين.
في هذا السياق، تبرز معضلة الإمساك بالمبادرة؛ فلبنان لا يمكنه مواجهة الضغوط الخارجية بتعدد الأصوات. فإذا استمر الانتظار المتبادل بين الأطراف الداخلية، فإن الخارج لن ينتظر أحدًا. واشنطن تتحرك وفق ساعة انتخاباتها ومصالحها، وتل أبيب تدمج الأمن بالسياسة وفق رؤيتها، بينما يبقى لبنان مهددًا بأن يخسر “ساعة القرار” لمصلحة صانعي الخرائط الجدد.
ولذلك، فإن الدولة اليوم أمام اختبار مصيري لا يحتمل الترف السياسي: فإما أن تثبت حضورها كدولة تملك شروطًا واضحة وسقفًا سياديًا، أو تترك الآخرين يحددون لها موعد الخسارة وشكل التسوية المفروضة.والبيان الاميركي الاخير مؤشر على ما هو مرتقب.

