فبحسب المعطيات المتداولة، قدّمت طهران مقترحاً متكاملاً من 14 بنداً، حاولت من خلاله رسم إطار شامل لأي تسوية محتملة، إلا أن هذا الطرح قوبل برفض مباشر من الرئيس الأميركي، ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر.
اللافت في هذا السياق أن واشنطن تبدو مقتنعة بأن ميزان الضغط يميل لصالحها. فهي تنظر إلى الحصار البحري المفروض على إيران كأداة فعالة لخنق اقتصادها ودفعها نحو تقديم تنازلات جوهرية، خصوصاً في ظل تراجع قدراتها على تصدير النفط بحرية. هذا التقدير الأميركي يقوم على فرضية أن الوقت يعمل ضد طهران، وأن استمرار هذا الضغط سيؤدي حتماً إلى ليونة في موقفها التفاوضي.
في المقابل، تقرأ إيران المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فإغلاق مضيق هرمز، لا يُنظر إليه كخسارة صافية، بل كورقة ضغط استراتيجية قادرة على إرباك الأسواق العالمية. ارتفاع أسعار النفط بشكل متواصل، وانعكاس ذلك على اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة، يمنح طهران هامشاً للمناورة، ويعزز قناعتها بأن الضغوط قد ترتد على أصحابها، ما قد يدفع واشنطن في مرحلة لاحقة إلى إعادة النظر في موقفها المتشدد.
في موازاة ذلك، تبرز ضغوط واضحة من إسرائيل باتجاه التصعيد، حيث تدفع تل أبيب نحو استئناف المواجهة العسكرية مع إيران، معتبرة أن اللحظة الحالية مناسبة لتوجيه ضربات قاسية. هذا المعطى تدركه طهران جيداً، وتتعامل معه بحذر، من خلال محاولة ضبط إيقاع المواجهة على مختلف الجبهات.
ضمن هذا الإطار، يبدو أن حزب الله يتجه إلى تقنين عملياته العسكرية، مع تركيز أكبر على استخدام الطائرات المسيّرة كخيار منخفض الكلفة ومرتفع الفعالية، بانتظار تطورات أوسع قد تفتح الباب أمام مواجهة شاملة. هذا السلوك يعكس استراتيجية تقوم على الحفاظ على الجاهزية، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قبل تبلور الصورة الإقليمية بشكل كامل.
تبدو المفاوضات وكأنها تدور في حلقة مفرغة، حيث يتمسك كل طرف برؤيته الخاصة للضغط والفرص، ما يجعل أي اختراق حقيقي أمراً صعباً في المدى القريب، ويُبقي المنطقة على حافة تصعيد مفتوح على احتمالات متعددة.

