حجم التنديد الذي صدر من مختلف الجهات لم يكن عابراً، بل عكس إدراكاً جماعياً بأن أي انزلاق في الخطاب قد يفتح الباب أمام توترات لا يمكن ضبطها.
هذا الإجماع غير المعلن ساهم في رسم سقف سياسي وإعلامي لكل القوى المعنية، حيث بدا أن الجميع يسارعون إلى احتواء أي تصعيد، حتى في ظل وجود بعض الأصوات التي تحاول الاستثمار في التوتر ورفع منسوب الاحتقان الداخلي. إلا أن هذه المحاولات بقيت حتى الآن ضمن حدود لا تسمح بانفلات الوضع، ما يعزز فكرة أن “الخط الأحمر” لا يزال صامداً.
في المقابل، لا يعني هذا الهدوء النسبي أن الساحة الداخلية مستقرة بالكامل. على العكس، الكباش السياسي في ذروته، ويتغذى بشكل مباشر من التطورات الميدانية. فالمؤشرات تفيد بأن مسار الحرب لن يكون قصيراً، بل مرشح لأن يمتد لأشهر، ولبنان سيكون إحدى ساحاته الأساسية. ومع ذلك، يبدو أن إيران لا ترغب في الانخراط المباشر في هذه المرحلة، على الأقل قبل زيارة الرئيس الاميركي ترامب الى الصين، ما يضع الساحة اللبنانية في موقع خاص: تصعيد مضبوط، لكن مستمر.
هذا الواقع يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من “عض الأصابع”، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. في هذا السياق، يعمل حزب الله على رفع كلفة المواجهة على إسرائيل، محاولاً تحويل أي تقدم ميداني محدود إلى عبء استنزافي طويل الأمد. الهدف هنا واضح: منع تثبيت أي وقائع جديدة على الأرض، وفرض معادلة ردع تعيد التوازن في المرحلة المقبلة.
تتكاثر المؤشرات الإقليمية والدولية التي تعكس حجم الضغط، وليس بعيداً ما يُتداول عن احتمال خروج بنيامين نتنياهو من الحياة السياسية ضمن تسوية قانونية، وهو أمر إن صحّ، يعكس حجم التحولات التي قد تحصل في المستقبل القريب.
يسير الواقع اللبناني على خطين متوازيين: تماسك داخلي هش تحكمه ضرورات السلم الأهلي، وتصعيد ميداني قابل للتمدد. وبينهما، يبقى “الستاتيكو” الحالي قائماً، لكن لفترة محدودة، بانتظار لحظة مفصلية قد تأتي إما بانفجار عسكري واسع، أو بتسوية لن تكون بالضرورة سريعة أو سهلة.

