وفي قلب هذا المشهد، يبرز العرض الأميركي الجديد لإيران، الذي يأتي بصيغة مختصرة في “مذكرة من صفحة واحدة”، لكنه يحمل في مضمونه عناصر اتفاق واسع. فواشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تراهن على مقاربة سريعة تقوم على وقف تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمّدة، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. هذا الطرح يشكّل محاولة لإنتاج إطار سياسي جديد يهدف إلى إنهاء حالة الحرب المفتوحة وفتح نافذة تفاوض تمتد نحو ثلاثين يوماً، يُفترض أن تُبنى خلالها تفاهمات أعمق حول البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي. ورغم بقاء ملفات حساسة عالقة، وفي مقدمها مصير اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فإن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الطرفين يقتربان من أرضية مشتركة، ولو كانت مرحلية ومقيّدة بسقوف زمنية واضحة.
بالتوازي، تتسع دائرة الدفع نحو التهدئة، مع مواقف إقليمية داعمة لهذا المسار. فباكستان ترى أن تجاوب واشنطن مع مطالب دول مؤثرة، وفي طليعتها السعودية، يعزّز فرص الاستقرار، وهو ما يعكس تزايد الضغط الدولي والإقليمي للوصول إلى تسوية سريعة، حيث ساهمت، بدعم صيني، في تضييق فجوة الخلاف وصياغة نقاط مشتركة تشكّل قاعدة أولية لأي اتفاق محتمل، رغم بقاء التحديات في تفاصيل البنود وآليات التنفيذ، حيث تسعى واشنطن إلى إنجاز سياسي واضح، فيما تعمل طهران على تثبيت موقعها الإقليمي.
وفي هذا السياق، تتقاطع مصالح واشنطن وطهران، ومعهما دول عربية واوروبية، للدفع نحو تسوية سريعة تحت ضغط اقتصادي عالمي متصاعد لم يعد يقتصر على الطاقة بل يطاول مختلف القطاعات، وعليه، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب إلى الصين دلالات تتجاوز بعدها الثنائي، إذ من شأنها أن تؤجّل العديد من الملفات العسكرية والسياسية، ومنها استحقاقات مرتبطة مباشرة بالوضع اللبناني، هذا التأجيل يفتح نافذة زمنية أمام بيروت، قد تسمح بإعادة التهدئة بين بعبدا وعين التينة والسراي للاتفاق على مقاربة موحّدة للمرحلة المقبلة بتنسيق عربي يواكب هذه العملية ويمنحها غطاءً سياسياً أوسع.
وفي السياق نفسه، يبرز تحوّل لافت في مقاربة طهران للدور السعودي، إذ باتت تنظر إلى الرياض كعامل توازن يمكن أن يساهم في إدارة التهدئة، لا سيما في الساحات الحساسة مثل لبنان. هذا التقاطع الإيراني–السعودي، وإن ظل ضمن حدود التكتيك، يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الانفجار لم يعد خياراً مقبولاً، وأن كلفته تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال.
أما داخلياً، فاختيار السفير سيمون كرم لتمثيل لبنان في المفاوضات مع إسرائيل في الولايات المتحدة في المرحلة الجديدة، يحمل رسالة واضحة مفادها أن بيروت تريد مفاوضات مضبوطة، ذات طابع تقني وأمني، بعيدة عن أي انزلاق نحو تطبيع مبكر. ويعبّر هذا التوجه عن موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يرفض عقد أي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق واضح يضمن وقفاً دائماً للأعمال العدائية، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً، ومعالجة ملف الأسرى. بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لا يشكّل اللقاء مدخلاً للتفاوض، بل يُفترض أن يكون تتويجاً لمسار تفاوضي مكتمل الشروط.

