Categories: أخبار

لبنان الرسمي يرسّم شروطه للتسوية… تواصل عربي–أميركي لتأجيل لقاء عون–نتنياهو

تتقاطع مسارات التفاوض والتهدئة من الخليج إلى لبنان على إيقاع تحرّكات أميركية متسارعة، يقابلها انفتاح إيراني محسوب، ومحاولات عربية حثيثة لاحتواء الانفجار قبل اتساع رقعته. وضمن هذه اللوحة المتشابكة، تبدو المنطقة وكأنها تقف على عتبة تسوية دائمة ولو تأخرت أشهرا.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز العرض الأميركي الجديد لإيران، الذي يأتي بصيغة مختصرة في “مذكرة من صفحة واحدة”، لكنه يحمل في مضمونه عناصر اتفاق واسع. فواشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تراهن على مقاربة سريعة تقوم على وقف تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمّدة، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. هذا الطرح يشكّل محاولة لإنتاج إطار سياسي جديد يهدف إلى إنهاء حالة الحرب المفتوحة وفتح نافذة تفاوض تمتد نحو ثلاثين يوماً، يُفترض أن تُبنى خلالها تفاهمات أعمق حول البرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي. ورغم بقاء ملفات حساسة عالقة، وفي مقدمها مصير اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فإن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الطرفين يقتربان من أرضية مشتركة، ولو كانت مرحلية ومقيّدة بسقوف زمنية واضحة.

بالتوازي، تتسع دائرة الدفع نحو التهدئة، مع مواقف إقليمية داعمة لهذا المسار. فباكستان ترى أن تجاوب واشنطن مع مطالب دول مؤثرة، وفي طليعتها السعودية، يعزّز فرص الاستقرار، وهو ما يعكس تزايد الضغط الدولي والإقليمي للوصول إلى تسوية سريعة، حيث ساهمت، بدعم صيني، في تضييق فجوة الخلاف وصياغة نقاط مشتركة تشكّل قاعدة أولية لأي اتفاق محتمل، رغم بقاء التحديات في تفاصيل البنود وآليات التنفيذ، حيث تسعى واشنطن إلى إنجاز سياسي واضح، فيما تعمل طهران على تثبيت موقعها الإقليمي.

وفي هذا السياق، تتقاطع مصالح واشنطن وطهران، ومعهما دول عربية واوروبية، للدفع نحو تسوية سريعة تحت ضغط اقتصادي عالمي متصاعد لم يعد يقتصر على الطاقة بل يطاول مختلف القطاعات، وعليه، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب إلى الصين دلالات تتجاوز بعدها الثنائي، إذ من شأنها أن تؤجّل العديد من الملفات العسكرية والسياسية، ومنها استحقاقات مرتبطة مباشرة بالوضع اللبناني، هذا التأجيل يفتح نافذة زمنية أمام بيروت، قد تسمح بإعادة التهدئة بين بعبدا وعين التينة والسراي للاتفاق على مقاربة موحّدة للمرحلة المقبلة بتنسيق عربي يواكب هذه العملية ويمنحها غطاءً سياسياً أوسع.

وفي السياق نفسه، يبرز تحوّل لافت في مقاربة طهران للدور السعودي، إذ باتت تنظر إلى الرياض كعامل توازن يمكن أن يساهم في إدارة التهدئة، لا سيما في الساحات الحساسة مثل لبنان. هذا التقاطع الإيراني–السعودي، وإن ظل ضمن حدود التكتيك، يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الانفجار لم يعد خياراً مقبولاً، وأن كلفته تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال.

أما داخلياً، فاختيار السفير سيمون كرم لتمثيل لبنان في المفاوضات مع إسرائيل في الولايات المتحدة في المرحلة الجديدة، يحمل رسالة واضحة مفادها أن بيروت تريد مفاوضات مضبوطة، ذات طابع تقني وأمني، بعيدة عن أي انزلاق نحو تطبيع مبكر. ويعبّر هذا التوجه عن موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يرفض عقد أي لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق واضح يضمن وقفاً دائماً للأعمال العدائية، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً، ومعالجة ملف الأسرى. بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، لا يشكّل اللقاء مدخلاً للتفاوض، بل يُفترض أن يكون تتويجاً لمسار تفاوضي مكتمل الشروط.

ورغم الضغوط الأميركية للدفع نحو هذا اللقاء، تبدو القيادة اللبنانية مستندة إلى موقف عربي أوسع يميل إلى تأجيله، نظراً لحساسية التوازنات الداخلية وخشية أن يفسر كخطوة نحو تطبيع غير محسوب. وهناك تواصل من أكثر من دولة عربية مع واشنطن لهذه الغاية، بل إن بعض المقاربات المطروحة تذهب إلى اعتبار أن أي مسار سلام ينبغي أن يكون ضمن إطار إقليمي متكامل يضم لبنان وسوريا والسعودية، بدلاً من فرضه بشكل منفرد على كل ساحة على حدة.
في هذا السياق، يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يربط أي اتفاق مع إسرائيل بوجود ضمانات واضحة وملزمة، انطلاقاً من تجربة طويلة مع عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات السابقة. وتشير المعطيات التي يستند إليها بري إلى أن لبنان حاضر في صلب التفاهمات الأميركية–الإيرانية الجارية، وهو ما يعزّز فرضية أن الساحة اللبنانية ستكون جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية مقبلة. ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية لكونه مبنياً على معلومات ومعطيات فعلية، لا على تقديرات سياسية أو مواقف افتراضية، وهو ما يفسّر حذر بري ودقّة مقاربته.
في المقابل، يرسم رئيس الحكومة نواف سلام معادلة واضحة تختصر الموقف الرسمي: “السلام لا التطبيع”. وهي صيغة تعبّر عن سعي لبنان إلى وقف الحرب وتثبيت الاستقرار، من دون الانخراط في مسار سياسي يتجاوز هذا الهدف أو يفرض تحوّلات داخلية غير محسوبة.
في المحصلة، يوحي المشهد العام بأن المنطقة تتحرك ضمن هامش ضيق، حيث تتقدّم المفاوضات على وقع ضغوط الوقت وتوازنات القوة. وتبقى المفاوضات الأميركية–الإيرانية المفتاح الأساسي، ليس فقط لمصير البرنامج النووي، بل أيضاً لمستقبل الجبهات المشتعلة، وفي مقدمها الساحة اللبنانية. وفي هذا الإطار، تحاول إسرائيل تعويض إخفاقاتها عبر الضغط على نفوذ إيران، خصوصاً في لبنان، رغم تعقيدات ميدانية متزايدة تحدّ من قدرتها على فرض وقائع جديدة. ومع ذلك، يبقى واضحاً أن أي تسوية فعلية لا يمكن أن تقوم من دون وقف الحرب، وانسحاب الاحتلال من جنوب لبنان، وعودة النازحين، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، لتُبنى بعدها التفاهمات الأوسع. وحتى الآن، لا شيء محسوما بشكل نهائي، غير أن المؤكد أن جميع الأطراف تفاوض تحت ضغط عامل الزمن، وبهدف الوصول إلى ترتيبات طويلة الأمد، لا مجرد اتفاقات مؤقتة أو تسويات هشة سرعان ما تنهار.
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

مسعد: وفاة حسين الرمال في سجن رومية جريمة موصوفة

شنّ النائب شربل مسعد هجوماً عنيفاً على المنظومة القضائية والسياسية في لبنان، معتبراً أن وفاة…

16 دقيقة ago

واشنطن تفاوض… وإسرائيل تخلط الأوراق في “حارة حريك”

بين الحين والآخر، يعود الإعلام الأميركي إلى ضخّ أجواء إيجابية حول اقتراب التوصل إلى اتفاق…

22 دقيقة ago

الربيع يفرض سيطرته.. كيف سيكون طقس عطلة نهاية الأسبوع؟

أفادت دائرة التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية بالمديرية العامة للطيران المدني بأن طقساً ربيعياً مستقراً…

28 دقيقة ago

وفاة مؤسس CNN تيد تيرنر عن 87 عاماً.. الرجل الذي غيّر شكل الإعلام العالمي

  وبحسب بيان صادر عن شركة “تيرنر إنتربرايزز”، لم يتم الكشف عن سبب الوفاة، فيما…

32 دقيقة ago

ما مصير مهرجانات وحفلات صيف 2026 في لبنان؟

ككل عام ينتظر اللبنانيون والمغتربون المهرجانات الفنية الصيفية التي تستقطب أهم النجوم في لبنان والعالم…

36 دقيقة ago

لميس الحديدي تكشف تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة هاني شاكر

  وقالت الحديدي إن هاني شاكر قضى ساعاته الأخيرة داخل أحد مستشفيات باريس، حيث حرص…

44 دقيقة ago