بين العقوبات الأميركية والتفاوض الأمني الذي يُفتح في واشنطن على أكثر من مستوى، يدخل لبنان مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم التوازنات داخل الدولة نفسها، لا فقط في الجنوب أو على الحدود. فحزمة العقوبات الأخيرة لم تُقرأ في الاوساط السياسية، كإجراء مالي تقليدي، بل كرسالة سياسية ـــ أمنية مباشرة مفادها أن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة احتواء نفوذ حزب الله إلى سياسة تفكيك بيئات الحماية الإدارية والمؤسساتية التي سمحت له بالتمدد داخل مفاصل الدولة.
وتقول الاوساط نفسها، ان الصدمة الأساسية لم تكن في الأسماء التي طاولتها العقوبات بقدر ما كانت في طبيعة المؤسسات المستهدفة. للمرة الأولى، تتقدم واشنطن نحو عمق الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية، متجاوزةً الخطوط الحمراء التي رافقت المقاربة الأميركية للبنان منذ سنوات تحت شعار حماية الاستقرار ومنع انهيار المؤسسات الرسمية. وهذا التحول يوحي بأن الإدارة الأميركية لم تعد تفصل بين “الدولة” و”بيئات النفوذ”، بل باتت تعتبر أن جزءاً من مؤسسات الدولة نفسها تحول إلى مساحة نفوذ يجب إعادة ضبطها بالقوة المالية والسياسية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ما صدر حتى الآن ليس سوى بداية لمسار تصاعدي، مع لوائح إضافية يجري إعدادها بالتوازي مع انطلاق المسارين التفاوضيين في واشنطن: العسكري في البنتاغون أواخر أيار، والسياسي في وزارة الخارجية مطلع حزيران. لذلك، تبدو العقوبات جزءاً من عملية ضغط متكاملة تهدف إلى فرض وقائع جديدة قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، بحيث يدخل الوفد اللبناني إلى المباحثات تحت سقف ضيق من الخيارات السياسية والأمنية.
وفي تقدير أوساط سياسية، تعتمد واشنطن استراتيجية تقوم على خلق حالة ردع داخل الإدارة اللبنانية نفسها، عبر دفع المسؤولين والقضاة والضباط والمديرين العامين إلى إعادة حساباتهم خوفاً من الاستهداف المالي أو العزل الدولي. والهدف المباشر من هذا الضغط هو تقليص قدرة حزب الله على استخدام مؤسسات الدولة كمساحات دعم أو حماية أو تسهيل، وفرض ميزان قوى داخلي جديد يميل تدريجياً لمصلحة القوى المناوئة لسلاحه.
وتكتسب هذه الضغوط أهمية استثنائية بسبب تزامنها مع المسار التفاوضي الأمني الذي يتجاوز هذه المرة حدود تطبيق القرار 1701 نحو البحث في ترتيبات أوسع تتعلق بالجنوب والبقاع وبيروت أيضاً. فواشنطن تحاول، من خلال الجمع بين التفاوض والعقوبات، انتزاع التزامات لبنانية عملية تتصل بحصرية السلاح وضبط الواقع الأمني، فيما تدرك السلطة أن هامش المناورة يتقلص بسرعة تحت وطأة التهديد بالعقوبات وباحتمال الانزلاق إلى مواجهة إسرائيلية أوسع.
ودانت كتلة الوفاء للمقاومة بشدّة “اعتداء الإدارة الأميركيّة على سيادة لبنان”، عبر قرارها فرض عقوبات على نوّاب في الكتلة، ومسؤولين من حركة أمل وحزب الله، وضبّاط في الجيش والأمن العام، إضافة إلى السّفير الإيراني في لبنان.
وأكّدت الكتلة أنّ نوّابها، الذين يمثّلون فئة واسعة من اللبنانيّين، يقومون بواجبهم الوطني في خدمة النّاس والدّفاع عن مصالحهم، وسنّ التّشريعات وفق الدّستور، بما يخدم مصلحة لبنان ويعزّز سلطة القانون.
وشدّدت على أنّ هؤلاء النوّاب يمارسون دورهم في مراقبة أداء السّلطة التنفيذيّة، والعمل من أجل حماية سيادة الوطن، وإصلاح مؤسّسات الدّولة، ومكافحة الفساد، والدّعوة إلى الحوار بين اللبنانيّين، بهدف التفاهم على إنقاذ البلد، وحماية سلمه الأهلي وعيشه الواحد، ونبذ كلّ أشكال الفتن.
وأضافت أنّ القرار الأميركي لن يثني نوّاب الكتلة عن مواصلة دورهم التشريعي والرقابي، ولا عن التعبير عن تطلّعات جمهورهم، وحمل “أمانة دماء شهدائه”، مؤكّدةً أنّ صوتهم سيبقى “صوتًا للمقاومة من أجل تحرير الأرض، والدّفاع عن الوطن وحمايته، وبناء الدّولة القادرة والعادلة التي تُطمئن جميع أبنائها
واعتبرت الخارجيّة الإيرانيّة أنّ العقوبات الأميركيّة “تصرّف مشين يهدف إلى تقويض سيادة لبنان وإثارة الفتنة داخله”.
الى ذلك، بدا لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري بالسفير المصري لدى لبنان علاء موسى أبعد من مجرد جولة تشاور دبلوماسية عادية. فالرسائل التي خرجت من عين التينة عكست بوضوح حجم القلق الإقليمي من انزلاق المنطقة نحو تصعيد أوسع، كما كشفت في المقابل عن وجود حراك سياسي متسارع تقوده القاهرة بالتنسيق مع عواصم إقليمية ودولية لمحاولة احتواء الانفجار وإعادة فتح مسارات التسوية.
واكتسب كلام السفير المصري عن “الانفراج” و”دور الوسطاء” أبعاداً مهمة حيث عكس وجود اتصالات فعلية تدور بين أطراف متعددة تشمل واشنطن وطهران وعواصم إقليمية أخرى، في محاولة لمنع انهيار شامل في المنطقة.
وأكّد قائد الجيش رودولف هيكل أنّ الجيش سيبقى الضامن للسّلم الأهلي والوحدة الوطنيّة، محذّرًا من حملات التّشهير والشّائعات التي تستهدف المؤسّسة العسكريّة وتخدم أعداء لبنان،
وفي رسالة لمناسبة عيد المقاومة والتّحرير، شدّد هيكل على أنّ الجيش سيكون “السّدّ المنيع” بوجه أي محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي وإثارة الفتنة، مؤكّدًا تمسّك المؤسّسة العسكريّة بحماية الوحدة الوطنيّة رغم الضغوط والتحدّيات.
وأشار إلى أنّ لبنان لا يزال يواجه تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمرّ، خصوصًا في الجنوب، لافتًا إلى أنّ الجيش يواصل أداء مهمّاته الأمنيّة والإنسانيّة، من دعم المواطنين والنازحين إلى مكافحة الإرهاب والجريمة وضبط الحدود.