على الرغم من ارجاء رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة النيابية التي كانت ستبحث في اقتراح قانون العفو العام “الى موعد آخر شعاره التوافق” ، لا يزال هذا الملف محور متابعة.
وفي هذا الاطار، قال الخبير الدستوري والقانوني سعيد مالك :«من الثابت والأكيد ان قانون العفو العام من الناحية المبدأية لا يجوز السير به ضمن إطار المبدأ العام، لأن الأساس هو تنفيذ العقوبة لا الإعفاء منها».
أضاف «ما تبين اليوم للمطلعين على مضمون قانون العفو العام، هو ان المشرعين انطلقوا في صياغته من فلسفة الإعفاء من العقوبة باستثناء عدد من الجرائم، بهدف إرضاء بعض القواعد الشعبية لاسيما من يدور منها في فلك الموقوفين الإسلاميين المتهمين بجرائم أمنية كبيرة وخطيرة. أي بدلا من اعتماد فلسفة الإنصاف، تم التوافق على تسوية تقضي بتخفيض جزئي للاحكام الصادرة بحقهم، باستثناء الملفات والأحكام الصادرة بحق الشيخ أحمد الأسير المتهم بجرائم أمنية مماثلة، أبرزها الاعتداء على الجيش اللبناني».
وتابع مالك في حديث إلى «الأنباء الكويتية»: «الملفت للانتباه في قانون العفو العام بصيغته الراهنة انه يضرب في أحكامه مبدأ المساواة المنصوص عنه في المادة 7 من مقدمة الدستور اللبناني، بحيث منح العفو لفئة معينة وحجبه عن فئة أخرى متهمة بارتكاب الجرم نفسه. ناهيك عن منحه العفو لذات الفعل لأشخاص ارتكبوا الجريمة أقل من مرتين، وحرمه عمن ارتكبها لثلاث مرات وأكثر».
ولفت في السياق إلى ان «ما يجب الإضاءة عليه، هو ان المرحلة السابقة الممتدة لأكثر من عشر سنوات تخللها فبركة الكثير من الملفات الأمنية بحق كل من عارض النظام السوري السابق والمشروع الايراني في لبنان والمنطقة العربية، وبالتالي اتهامهم بالعمالة لإسرائيل، بحيث أصبح لابد من عفو عام يشمل هذه الأحكام التي صدرت بخلفية صرف سياسية، مع الأخذ بالاعتبار ان قانون العفو العام الحالي المؤجلة مناقشته في مجلس النواب لمزيد من الدراسة والتمحيص، تناول من جهة ثانية ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل، ومنحهم بالتالي حق العودة إلى لبنان، انما في موازاة قانون سابق قضى بمنحهم هذا الحق لكنه بقي في الأدراج بسبب عدم إلحاقه بمراسيم تطبيقية وتنظيمية للبدء بتنفيذه».
واعتبر مالك من جهة ثانية «ان المشرعين في قانون العفو العام أحسنوا في التأكيد أولا على استثناء تجار المخدرات من الاستفادة منه، والذين لوثوا بسمومهم دماء وعقول الشباب اللبناني، إضافة إلى تلويثهم سمعة لبنان في الدول العربية الشقيقة والغربية الصديقة. وثانيا في منح العفو للموقوفين والمحكومين بتهمة اما التعاطي الشخصي، واما الترويج بحدود مقبولة».
وختم مالك بالقول «النقطة الأساس التي كان يجب على المشرعين في قانون العفو العام ان يتنبهوا لها، هي عدم منح العفو بشكل كامل لمن تلوثت أيديهم بدماء الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية على اختلاف أنواعها وعملها ومهامها، لأن التهاون مع من سفك الدماء الذكية التي ذادت عن الوطن هو بحد ذاته جريمة. ولا يجوز بالتالي منح العفو لتلك الأيادي السوداء التي حاولت إنهاء دور الجيش والشرعية، في سبيل تحفيز مشاريعها السياسية والطائفية والالتحاقية».
وكتب أمين بشير في” نداء الوطن”: في كل مرة يُطرح فيها ملف العفو العام في لبنان، يعود الانقسام نفسه إلى الواجهة. قسم يعتبره خطوة إنسانية مطلوبة لمعالجة أوضاع السجون والموقوفين، وقسم آخر يراه مجرد صفقة سياسية مرتبطة بحسابات القوى والنفوذ والتوازنات الداخلية. لكن الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها، أن ملف العفو العام في لبنان لم يكن يوماً ملفاً قانونياً بحتاً، بل كان دائماً مرآة للمرحلة السياسية التي يعيشها البلد والمنطقة.
فالقوانين في لبنان، وخصوصاً القوانين الحساسة المرتبطة بالأمن والسياسة، لا تُفصل عن موازين القوى. ولهذا، فإن النقاش الحالي حول العفو العام لا يمكن فهمه فقط من زاوية حقوق الإنسان أو أوضاع السجون، بل يجب قراءته ضمن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والتبدل الواضح في النظرة الدولية والإقليمية إلى التوازنات الداخلية اللبنانية.
من الناحية الإنسانية والقانونية، لا شك أن لبنان يعيش أزمة حقيقية في ملف العدالة. آلاف الموقوفين ينتظرون محاكماتهم منذ سنوات طويلة، وبعضهم أمضى جزءاً كبيراً من حياته خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية. وهذا الأمر يشكل فضيحة قانونية وأخلاقية بكل المقاييس، ويتناقض مع كل الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان في مجال حقوق الإنسان والمحاكمات العادلة.
فكيف يمكن لدولة تدّعي احترام القانون أن تقبل ببقاء موقوف غير محكوم لأكثر من عشر سنوات داخل السجن؟ وكيف يمكن أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة بلا سقف زمني ولا محاسبة؟ الأخطر من ذلك، أن بعض مشاريع العفو المطروحة تتضمن عبارات تتحدث عن موقوفين غير محكومين أمضوا أربع عشرة سنة سجنية، وكأن الدولة تعترف رسمياً بانهيار نظامها القضائي ثم تحاول معالجة الكارثة عبر تسوية سياسية بدل الإصلاح الحقيقي.
لكن خلف هذا البعد القانوني، هناك بعد سياسي لا يمكن تجاهله. فالعفو العام في لبنان كان دائماً مرتبطاً بالتوازنات الطائفية والسياسية. كل فريق ينظر إليه من زاوية جمهوره ومصلحته الخاصة. هناك من يريد عفواً واسعاً يشمل أكبر عدد ممكن من أبناء بيئته، وهناك من يرفض أي عفو قد يطال خصومه أو يؤثر على ميزان القوى القائم.
ومن هنا، فإن اللحظة الحالية ليست لحظة عادية. نحن لا نعيش مجرد نقاش قانوني حول السجون والموقوفين، بل نعيش مرحلة انتقال سياسي كبيرة في لبنان والمنطقة. مرحلة ينهار فيها نظام سياسي وأمني كامل تشكل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وقامت فلسفته على تصنيف مكونات المنطقة بين “اعتدال” و”تطرف” وفق المقاربة الأميركية التي سادت خلال عهد الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، وخصوصاً خلال إدارة باراك أوباما.
في تلك المرحلة، جرى عملياً تقديم الشيعة السياسيين، وتحديداً القوى المرتبطة بإيران، على أنهم أكثر “عقلانية” وقابلية للتفاهم السياسي، فيما جرى التعامل مع البيئة السنية في أكثر من بلد عربي باعتبارها بيئة مرتبطة بالتطرف والإرهاب. وقد انعكس هذا التصنيف بشكل مباشر على لبنان، حيث تعرضت مناطق سنية كاملة لحملات أمنية وقضائية وسياسية تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، فيما كانت موازين القوى الداخلية والإقليمية تمنح نفوذاً متصاعداً لمحور إيران وأذرعه.
هذا الواقع أنتج ظلماً سياسياً كبيراً، ليس فقط على مستوى الأحكام أو الملاحقات، بل أيضاً على مستوى الصورة العامة التي رُسمت عن مكونات لبنانية بكاملها. وتحول ملف الموقوفين الإسلاميين في لبنان إلى أحد أبرز تجليات هذه المرحلة، حيث شعر جزء واسع من اللبنانيين بأن العدالة تُطبق بميزان سياسي لا بميزان قانوني.
لكن المنطقة اليوم تدخل مرحلة مختلفة تماماً. فالتغيرات المتسارعة التي نشهدها، سواء في سوريا أو في العلاقة الأميركية مع إيران أو في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، تشير بوضوح إلى انتهاء مرحلة سياسية كاملة وبداية مرحلة جديدة. وأولى مظاهر هذا التحول كان سقوط النفوذ الإيراني في أجزاء واسعة من المنطقة، والانقضاض السياسي والعسكري المتزايد على أذرع إيران، بالتوازي مع صعود واقع سياسي جديد في سوريا تُرجم بوصول أحمد الشرع إلى الحكم، في مشهد كان من المستحيل تخيله قبل سنوات قليلة فقط.
هذه التحولات لا يمكن فصلها عن النقاش اللبناني الداخلي. فالكثير من الملفات التي كانت مجمدة لسنوات بدأت تتحرك اليوم لأن ميزان القوى نفسه يتحرك. والعفو العام واحد من هذه الملفات. لذلك، فإن من الخطأ التعامل معه كأنه مجرد قضية إنسانية معزولة عن السياق السياسي. إنه في الحقيقة جزء من مرحلة انتقالية كبرى، تحاول فيها القوى المختلفة إعادة ترتيب مواقعها وحساباتها قبل اكتمال التحولات المقبلة.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الحماسة الكبيرة لدى بعض القوى لإقرار العفو الآن، وخصوصاً حزب الله، الذي يدرك أن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة جذرياً عن السنوات الماضية. فالحزب الذي كان يمتلك نفوذاً شبه مطلق داخل مؤسسات الدولة، يجد نفسه اليوم أمام بيئة إقليمية ودولية أكثر عدائية تجاه المشروع الإيراني، وأمام تحولات داخلية لبنانية بدأت تعيد إنتاج خطاب سياسي مختلف.
كما أن الحزب يدرك أن جمهوره دفع أثماناً بشرية واقتصادية وسياسية ضخمة خلال السنوات الأخيرة، وبالتالي فهو يسعى إلى تقديم أي مكسب ممكن لبيئته الحاضنة، سواء عبر التعيينات أو الخدمات أو عبر الدفع نحو عفو واسع يشمل أكبر عدد ممكن من المحسوبين عليه أو القريبين من بيئته.
لكن في المقابل، هناك أيضاً شعور متزايد داخل البيئة السنية بأن المرحلة التي جرى فيها التعامل معها كبيئة مشتبه بها أو متهمة بشكل دائم قد انتهت، وأن التوازنات الجديدة في المنطقة بدأت تعيد الاعتبار السياسي لهذه البيئة بعد سنوات من التهميش والاستهداف. وهذا ما يفسر ارتفاع الأصوات المطالبة بإغلاق هذا الملف نهائياً وإنهاء آثار المرحلة السابقة.
ولا يقتصر الأمر على ملف الموقوفين أو المطلوبين داخل لبنان، بل يمتد أيضاً إلى ملف المبعدين إلى إسرائيل، ولا سيما الذين ارتبطوا بجيش لبنان الجنوبي المعروف بجيش لحد. فهذا الملف الذي بقي لعقود من المحرمات السياسية، يعود اليوم تدريجياً إلى واجهة النقاش اللبناني، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل أيضاً من زاوية التحولات السياسية الكبرى التي تعيشها المنطقة.
ومن الخطأ اختصار هؤلاء بالمسيحيين فقط، إذ إن بين المبعدين إلى إسرائيل لبنانيين من طوائف متعددة، وجدوا أنفسهم في مرحلة معينة جزءاً من الصراع الذي عاشه الجنوب اللبناني خلال سنوات الاحتلال والحرب الأهلية. لكن طوال العقود الماضية، جرى التعامل مع هذا الملف بمنطق التخوين الجماعي والإقفال السياسي الكامل، بسبب طبيعة المرحلة التي كانت ترفض أي نقاش مرتبط بإسرائيل خارج منطق الحرب المفتوحة.
أما اليوم، فإن المشهد الإقليمي يتغير بسرعة كبيرة. فالمفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لم تعد مجرد اتصالات أمنية محدودة، بل أصبحت جزءاً من مسار سياسي أوسع قد ينتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى اتفاقات رسمية على الأقل أو إلى سلام شامل على الأكثر. وبالتالي، فإن بقاء ملفات كاملة معلقة تحت عنوان “التعامل مع العدو” يصبح أمراً متناقضاً مع الواقع السياسي الجديد الذي يتشكل في المنطقة.
ومن هنا، يصبح من الطبيعي إعادة طرح ملف المبعدين إلى إسرائيل ضمن أي نقاش جدي حول العفو العام أو المصالحة الوطنية. لأن الدولة التي تفاوض إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، وتدخل في ترتيبات سياسية وأمنية معها، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تبقي آلاف اللبنانيين أسرى مرحلة سياسية سقطت أسبابها وتغيرت ظروفها بالكامل.
وفي هذا السياق، يبرز أيضاً النقاش حول قانون مقاطعة إسرائيل، الذي وُضع في سياق تاريخي وسياسي مختلف تماماً عن المرحلة الحالية. فحين تبدأ الدول مسارات تفاوضية مفتوحة، وتسقط تدريجياً حالة الحرب التقليدية، يصبح من الطبيعي أن يسقط حكماً جزء كبير من المبررات السياسية والقانونية التي قام عليها قانون المقاطعة. وهذا لا يعني بالضرورة تبني خيار التطبيع الكامل، لكنه يعني أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة جديدة تحتاج إلى مقاربة مختلفة عن الشعارات والخطابات القديمة.
مع ذلك، يبقى الخطر الأساسي أن يتحول العفو العام إلى مجرد تسوية سياسية مؤقتة، لا تعالج أصل المشكلة. فالدولة التي تفشل في تأمين محاكمات عادلة وسريعة، ثم تعود بعد سنوات لإصدار عفو، هي دولة تؤجل الانفجار ولا تبني عدالة حقيقية.
العفو الحقيقي يجب أن يكون جزءاً من مشروع إصلاحي شامل يبدأ بإصلاح القضاء، وتسريع المحاكمات، وتحسين أوضاع السجون، ووضع حد لاستخدام التوقيف الاحتياطي كعقوبة مسبقة. كما يجب أن يترافق مع مراجعة سياسية صريحة للمرحلة السابقة، ولكيفية استخدام ملفات الإرهاب والأمن والتخوين في الصراعات الداخلية والإقليمية.
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى قانون عفو، بل يحتاج إلى إعادة تعريف معنى العدالة والدولة معاً. فالعدالة لا تتحقق بالانتقام، لكنها أيضاً لا تُبنى على الصفقات العابرة. وما لم يفهم اللبنانيون أن بناء دولة حقيقية يبدأ من قضاء مستقل وعدالة متوازنة بعيداً عن الحسابات الطائفية والسياسية، فإن كل عفو جديد سيبقى مجرد هدنة مؤقتة في أزمة مفتوحة منذ عقود.