Categories: أخبار

وقائع عن لبنان في مفاوضات إسلام آباد

كتب ابراهيم الامين في” الاخبار”: عندما ناقش الإيرانيون ملف لبنان مع الجانب الباكستاني، كانوا واضحين تماماً بأن طهران تعتبر حزب الله حليفاً أساسياً ولن تتخلّى عنه على الإطلاق، وستواصل دعمه كلّما أتيح لها ذلك. وفي هذه المواجهة، ترى نفسها معنية بضمان أمن اللبنانيين الذين حملوا السلاح في مواجهة إسرائيل، ليس إسناداً لإيران، بل لتحقيق أهدافهم المتعلّقة بإعادة صياغة الوضع مع إسرائيل، كون الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما قوى إقليمية ولبنانية، عملت على مدى 15 شهراً على محاصرة المقاومة وأقدمت على خطوات كثيرة لتلبية المطلب الأميركي – الإسرائيلي بالإجهاز على حزب الله.

انطلاقاً من ذلك، شدّد الإيرانيون أمام الوسيط على أنّ أي وقف لإطلاق النار، سواء أكان هدنة أم إنهاءً للحرب، يجب أن يشمل لبنان حكماً، مؤكدين أن هذا ليس موقفاً دعائياً بل هو شرطٌ تفاوضي جدّي. وقد فهم الجانب الباكستاني الأمر تماماً، وأبلغ الأميركيين بوضوح أن طهران جادّة في موقفها، ولن تنخرط في مفاوضات من دون إدراج لبنان ضمن سلّة التفاهمات. في المقابل، حاولت الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل وأطراف إقليمية ولبنانية، منذ البداية فصل المساريْن. إلا أنّ الوسيط أبلغ الأميركيين بأن أي تقدّم في الجولة الأولى من المفاوضات سيبقى مُعلّقاً ما لم يُسجّل اختراق في ملف لبنان.

تصرّف الأميركيون في البداية من موقع الدفاع عن قرارهم عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار. لكنهم، مع الوقت، طرحوا برنامجاً مُتدرّجاً، يبدأ بضمان وقف القصف على بيروت والضاحية والبقاع وجبل لبنان، مع وعد بأن يُصار لاحقاً إلى توسيع التهدئة لتشمل باقي المناطق، شرط ألّا يتحدّث الإيرانيون عن هذه التفاهمات علناً. وقد جرى الإعلان عن هذا التوجه في اليوم التالي لـ«مجزرة الأربعاء».

وعندما اجتمع الوفدان الإيراني والأميركي في إسلام آباد، كان واضحاً للوسيط أولاً، وللجانب الإيراني ثانياً، أن هناك طرفاً آخرَ على الهاتف لدى التطرّق إلى ملف لبنان. ومع مرور الوقت، تبيّن أن هناك خلية عمل يقودها الرئيس عون، عبر شخصية لبنانية على صلة مباشرة بالموفد الأميركي ستيف ويتكوف الموجود في باكستان. وكانت مهمة هذه الشخصية محصورة في أمرين: الأول، عدم منح إيران أيّ أفضلية في إعلان وقف إطلاق النار.

 

الثاني، الدفع باتجاه إعلان أميركي عن استعداد واشنطن لرعاية مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان بعد وقف إطلاق النار. وفيما كان عون يقاتل لانتزاع أول اتصال مباشر بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تلقّى رسائل واضحة بأن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، وأن عليه القيام بخطوات «نوعية» للحصول على هذه «المكافأة». وبعد اجتماع السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، أُبلغ عون بأن الخطوة «جيدة، لكنها غير كافية».


وفي مقابل اهتمامه، شكلاً، بالحصول على أول اتصال له مع الرئيس الأميركي، أبلغه الأميركيون بأن الأهمّ أن يكون اتصاله مع إسرائيل. ومن هنا طُرح اقتراح بإجراء اتصال ثلاثي يجمع عون برئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. غير أن رئيس الجمهورية سمع سريعاً ملاحظات كانت أقرب إلى التحذير، من أن الإقدام على هذه الخطوة سينسف أي قاعدة للتفاهم الداخلي، ما دفعه إلى إبلاغ الأميركيين بصعوبة المهمة.
عند هذه النقطة، عاد الوسيط الأميركي، بالتنسيق مع الشخصية اللبنانية، إلى الدفع نحو صيغة بديلة تقوم على أن يصدر قرار وقف إطلاق النار من واشنطن مباشرة، يترافق مع اتصال بين ترامب وعون، وأن يُعلَن عن فتح الأبواب أمام وساطة خاصة، من خلال إعلان الرئيس الأميركي استعداده لدعوة عون إلى البيت الأبيض، شرط أن يوافق على لقاء يجمعه مع نتنياهو، يكون مقدّمة لمفاوضات خاصة حول حلّ دائم في لبنان.

في هذه الأثناء، كان العدو يعيد تموضعه ميدانياً وسياسياً. فمن جهة، أقرّ بتعثّر عمليته العسكرية البرية، في ظلّ تصاعد الخلافات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية حول «غياب الإحاطة بطبيعة عمل حزب الله». وفي المقابل، كان بنيامين نتنياهو يضغط لتحقيق إنجاز ملموس، متراجعاً في سقف الأهداف من القضاء على حزب الله إلى طلب السيطرة على ملعب بنت جبيل.

لكنّ التقارير الميدانية التي كانت تصل إليه رسمت صورة أكثر تعقيداً، إذ أشارت إلى صعوبة تحرك القوات على الأرض، وأن التفوّق الجوي لم يعد كافياً وحده، وأن حزب الله يُظهِر قدرات على إدارة النيران والاشتباك بصورة مختلفة عمّا كان عليه سابقاً. عندها وجد نتنياهو نفسه أمام خيارين: إمّا المضي في عمليات برية عالية المخاطر، مع ارتفاع مخاطر أسر جنود إسرائيليين وليس قتلهم فقط، أو العمل سريعاً على تراجع تكتيكي، في وقت كان يسمع كلاماً جديداً من واشنطن.

كان واضحاً أن الأميركيين لا يمنعون إسرائيل من القيام بكل ما يلزم لتحقيق هدفها في لبنان، لكنهم أبدوا خيبة نتيجة عدم دقّة تقديرات إسرائيل السياسية والأمنية والعسكرية، ليس في لبنان فقط، بل في إيران أيضاً. وشكّلت «مجزرة الأربعاء» جرسَ إنذارٍ كبيرٍ، دفع بأحد مسؤولي الإدارة الأميركية إلى القول إن «لبنان ليس غزة»، ما سرّع في دفع مسار إعلان وقف إطلاق النار، مع علم الجميع أنه وقف مؤقّت، وأنه لا يعني شيئاً للمتحاربين، وهو مسألة وقت قبل العودة للقتال.

في المقابل، يبدو أن الأميركيين، الذين يفترضون أنه يمكن جرّ لبنان إلى مفاوضات، هم من يريدون هذه المرة العودة إلى الاتفاقات السابقة. وتُظهِر المداولات أنهم باتوا يميلون إلى تفعيل عمل «لجنة الميكانيزم»، وإعادة فتح مسار تطبيق القرار 1701، إلى جانب اتفاق 27 تشرين الأول 2024.

ويتعامل الجانب الأميركي مع الأمر على قاعدة أن لبنان سيقبل بأي شيء مقابل وقف إطلاق النار، ما يتيح العودة إلى النغمة السابقة حول نزع السلاح وربط الخطوات الإسرائيلية لجهة الانسحاب وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، بمدى تجاوب لبنان مع الطلبات المتعلّقة ليس بنزع السلاح فقط، بل وتقييد كل «منظومة العمل السياسي والاجتماعي والمالي» لحزب الله.

مشكلة الأميركيين في هذه النقطة، أنهم يتصرّفون وكأنهم الجهة المنتصرة في الحرب، سواء في إيران أو في لبنان. وقد وجد عملاء أميركا وإسرائيل في لبنان، ما يعتقدون بأنها سردية مُقنِعة، عبر القول إن المقاومة تسبّبت بتوسيع الاحتلال وزيادة الدمار، وبالتالي عليها أن تدفع الثمن مقابل وقف الحرب والانسحاب والإعمار.

وتؤكد المعطيات أن مجمل هذه النقاشات جرى التطرّق إليها في المحادثات عبر الوسيط الباكستاني، وقد التزم الجانب الإيراني بالسقف الذي حدّده الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، عندما أعاد صياغة مطالب المقاومة لوقف الحرب، قائلاً إنها تتطلّب وقفاً كاملاً لكل أنواع إطلاق النار في كل لبنان، وبأي وسيلة كانت، وضمان انسحاب شامل وكامل من كل الأراضي اللبنانية، بما فيها النقاط الخمس، وضمان العودة الفورية وغير المشروطة لسكان القرى بمن في ذلك أصحاب المنازل المُدمّرة عند الحدود، وإطلاق الأسرى، إلى جانب بند رئيسي يتعلّق بإعلان الحكومة اللبنانية والدول الخارجية عن إطلاق عملية إعادة الإعمار.

ما ورد في البنود الخمسة يمكن للبعض أن يقرأه على أنه دعوة إلى تطبيق قرار 27 تشرين الثاني 2024، وهو أمر صحيح إجمالاً. لكنّ التدقيق وتقاطع المعطيات حول ما جرى بحثه حول لبنان بين الأميركيين والإيرانيين، يشيران إلى أن الأمور اختلفت كثيراً. وعناصر الاختلاف هي:
أولاً، أن الضمانة الأميركية لأي اتفاق لم تعد صالحة وليس بمقدور المقاومة الأخذ بها تحت أي ظرف.
ثانياً، أن الآليات التي حاول الأميركيون – ومن خلفهم إسرائيل – فرضها على لبنان تحت اسم «الميكانيزم» لم تعد هي الأخرى صالحة، ولن تقبل المقاومة بأن يكون هناك من يتولّى مراقبتها أو التدقيق في ما تقوم به.
ثالثاً، أن المقاومة تعتبر الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة التي يمكن التعاون معها لضمان أمن جميع المناطق اللبنانية، بما فيها مناطق المواجهة.
رابعاً، والأهم، أن المقاومة انتزعت بقوة النار حقّها في الرد على أي خرق إسرائيلي، وهو حقّ ستمارسه من دون أدنى شك، وستجد قيادة المقاومة العسكرية آليات مناسِبة للقيام به، بما يجعل العدو في وضع مُعقّد وصعب جداً، ويضبط إيقاع أي مواجهة مع العدو لحماية المدنيين.
وبالتالي، فإن هذه القاعدة يُفترض أن تعني أمراً واحداً، وهو ما يجب على السلطة والأميركيين فهمه: لا تنازل عن السلاح حتى يصبح لبنان أمام وضع مختلف جذرياً، وحتى تكون هناك وقائع تضمن للمقاومة أن العدوان لن يتكرّر، سواء على صعيد العمليات الأمنية والعسكرية، أو على صعيد الاجتياحات.
عملياً، نحن أمام مستوى جديد من المواجهة، وقدرة العدو على «هضم» ما حصل ليست من النوع الذي يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيتراجع سريعاً، بينما تحتاج المقاومة إلى مزيد من الخطوات لتثبيت القواعد الجديدة. أمّا السلطة التي تعتقد بأن استعجال المفاوضات يمنحها أفضلية، فهي في وضع صعب جداً، ليس لأنها لا تملك أوراق قوة تفاوض فحسب، بل لأنها لن تكون قادرة على تنفيذ أي التزام يتعارض مع مصلحة المقاومة واللبنانيين

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

سببان وراء تصعيد “حزب الله”

قال مصدر ديبلوماسي عربي إن الأمور في لبنان تتجه نحو الاستقرار، رغم التصعيد الكلامي الكبير…

ثانيتين ago

في الجنوب.. عمليات غطس بحثاً عن جثث لضحايا غارات سابقة

باشرت فرق الدفاع المدني اللبناني صباح اليوم الاثنين، عمليات غطس في نهر الليطاني أسفل الجسر…

3 دقائق ago

“تدمير 4 دبابات ميركافا جراء عبوات ناسفة مزروعة مسبقاً”.. بيان لـ “حزب الله”

أثناء ممارسة قوّات الإحتلال الإسرائيليّة خرقاً جديداً يضاف إلى سلسلة خروقاتها الفاضحة والموثّقة على مدى…

9 دقائق ago

الجيش الإسرائيلي يقرّ بأن الجندي الظاهر في صورة وهو يضرب رأس تمثال للمسيح بمطرقة في جنوب لبنان هو من عناصره

أقر الجيش الإسرائيلي ليل الأحد، بأن الجندي الذي ظهر في صورة وهو يضرب رأس تمثال…

9 دقائق ago

بعبوة ناسفة جنوب لبنان.. تدمير 4 دبابات ميركافا وبيان لـ”الحزب” يوضح

أعلن "حزب الله" في بيان عن تعرّض رتل مؤلّف من ثماني مدرّعات إسرائيلية لانفجار بالعبوات…

11 دقيقة ago

نازحون لم يعودوا وهذا ما فعلوه

لفت مصدر يُعنى بملف النزوح إلى أن عدداً كبيراً من النازحين لم يعودوا إلى قراهم…

14 دقيقة ago