فاستهداف الصحافيين، ومن بينهم الزميلة أمال خليل، سيبقى شاهدًا على مشهد النار المفتوحة، ورسالة واضحة بأن الكاميرا باتت تُعامل كخطر موازٍ للصاروخ، وأن نقل الوقائع من الميدان لم يعد مسموحًا إلا ضمن السردية التي تريدها القوة المعتدية.
في هذا السياق، يبدو أن ما يجري يتجاوز حدود الضغط العسكري، ليصل إلى محاولة إسكات الصوت الذي يوثّق، وإلى طمس الصورة التي تُدين، في وقتٍ تُرسم فيه وقائع جديدة على الأرض بالنار، وبعيدًا من أي مساءلة دولية حقيقية.
فالهدنة الهشّة لا تبدو في نظر كثيرين نهايةً فعلية للحروب بقدر ما هي استراحة مؤقتة بين جولات صراع لم تنضج بعد شروط تسويتها. فهي أشبه بوقف نار تحت ضغط التعب الميداني أو الحسابات السياسية، أكثر مما هي تعبير عن حلول جذرية تعالج أسباب الانفجار. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ماذا بعد هذه الهدنة الهشّة؟
في التجربة التاريخية لحروب إسرائيل على لبنان، نادراً ما كانت الهدن مقدّمة مباشرة لسلام مستدام. غالباً ما تتحول هذه الهدنة إلى مرحلة إعادة تموضع، سواء عسكرياً أو سياسياً أو حتى إعلامياً، إذ أن كل طرف يحاول استثمار الوقت. إسرائيل تحاول بقدر ما تستطيع مراكمة ما تحقّقه في الميدان لكي تستعمله كورقة ضغط على طاولة المفاوضات. أمّا “حزب الله” فيعيد ترتيب صفوفه بعد إحصاء خسائره، ويراقب ميزان القوى المتحوّل. وفي هذه المساحة الرمادية، يصبح الاستقرار نفسه هشّاً، قابلًا للخرق عند أول احتكاك.
فهذه الهدنة الهشّة تحمل في داخلها تناقضاً بنيوياً. فهي لا تُنهي الحرب فعلياً، لكنها تمنع انفجارها الكامل. بمعنى آخر، هي تجميد مؤقت للصراع لا معالجة له. ولذلك، فإنها غالباً ما تُبقي جذور التوتر قائمة، ومن بينها ملفات سياسية غير محلولة، وملفات أمنية عالقة، وحدود غير مرسومة بوضوح، وثقة مفقودة بين الأطراف. وكل ذلك يجعل العودة إلى التصعيد احتمالاً دائماً، لا استثناءً.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال عمّا ينتظره اللبنانيون ما بعد الهدنة سؤالاً عن طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها. فهل نحن أمام مسار تهدئة تدريجية تؤدي إلى تسوية، أم أمام هدنة بين جولات من التصعيد؟ الجواب لا يكون واحداً في كل الحالات، لكنه يرتبط بثلاثة عوامل أساسية: ميزان القوى، الإرادة السياسية، والضمانات الدولية أو الإقليمية.
فميزان القوى هو الذي يحدد عادة سقف التوقعات. فإذا شعر كل طرف من أطراف الصراع أنه لم يحقق أهدافه، فقد يعتبر الهدنة فرصة لإعادة المحاولة. أما إذا اعتقد أنه حقق مكاسب استراتيجية، فقد يميل إلى تثبيت الوضع القائم. لكن المشكلة أن هذا الميزان ليس ثابتاً، بل يتغير باستمرار، ما يجعل الهدنة مرحلة اختبار وليست محطة استقرار.
أما الإرادة السياسية، فهي العامل الأكثر حساسية. فغالباً ما تفشل الهدن عندما تغيب الرغبة الحقيقية في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق ضرورة إيجاد حل له. فإدارة الصراع تعني الاكتفاء بتخفيف حدته، أما حله فيتطلب تنازلات صعبة وإعادة صياغة التفاهمات. وبين الاثنين مسافة سياسية كبيرة، لا ينجح الجميع في عبورها.
أمّا العامل الثالث فهو الضمانات. فحتى الهدنة الأكثر التزامًا بها تحتاج إلى رعاية خارجية أو آليات مراقبة تمنع انهيارها السريع. لكن هذه الضمانات نفسها قد تكون جزءاً من التعقيد، عندما تتعدد الجهات الراعية وتتضارب مصالحها.
في الواقع، ما بعد الهدنة الهشّة في الجنوب، وبعد أكثر من تجربة فاشلة، لا يمكن اعتباره مرحلة استقرار تلقائي، بل مرحلة اختبار للنيات والقدرات، أي اختبار لمدى قدرة الأطراف على ضبط النفس، ولقدرة الوسطاء على منع الانزلاق، ولقدرة الواقع الاقتصادي والاجتماعي على تحمّل كلفة اللاسلم واللاحرب.
في كثير من الحالات، يعيش اللبنانيون مع هذه الهدن الهشّة حالة من الانتظار القلق. فالحياة تستمر شكلياً، لكن تحت ظلّ احتمال دائم بعودة التوتر. الاقتصاد يتأرجح، الثقة تتراجع، والاستثمار يتجمّد، وكأن المجتمع كله يعلّق أنفاسه في انتظار ما سيأتي.
لكن، وعلى رغم هذا المشهد القاتم، تبقى الهدنة فرصة، ولو محدودة. فهي تفتح نافذة يمكن استثمارها لبناء مسارات سياسية جديدة، أو على الأقل لتخفيف الاحتقان وتثبيت حد أدنى من الاستقرار. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار دائم يتطلب أكثر من مجرد وقف إطلاق نار؛ يتطلب رؤية سياسية واضحة وشجاعة في اتخاذ القرار.
في النهاية، يمكن القول إن ما بعد الهدنة الهشّة هو إما بداية طريق نحو تسوية تدريجية، أو محطة مؤقتة قبل انفجار جديد. الفارق بين الاحتمالين لا تصنعه الهدنة بحد ذاتها، بل ما يُبنى من تحت طاولتها من سياسات، وما يُدار خلالها من توازنات، وما يُتخذ فيها من قرارات في اللحظات التي تبدو فيها الأمور ساكنة لكنها في الحقيقة شديدة الحركة تمامًا كالبحر الهادئ ظاهريًا.

