صحيح أن خيار المفاوضات الثنائية المباشرة وتحكيم الإدارة الأميركية فيها، شكّل الخيار الذي كان لا بد منه أساساً، في إحداث الحد الأدنى من التوازن الإستراتيجي أمام عبث إيران المستمر بسيادة لبنان ومضيها في استغلال تورط حرسها الثوري على نحو غير مسبوق في الإدارة والتوجيه والإمرة لـ”حزب الله” حتى في العمل الميداني المباشر، وهو الخيار الذي لولاه لكان وضع لبنان أشد كارثية بعدما حصلت صدمة انسحاب الجيش اللبناني من جنوب الليطاني على أثر إشعال “حزب الله” حرب إسناد نظام الملالي ، غير أن الحرب ستطل بعد أقل من أسبوعين على طيّ شهرها الثالث من دون أي أفق واضح حيال السيناريوهات الجادة الثابتة التي ستوفرها أجندة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في جولاتها المقبلة لإنهاء الحرب بسرعة. لذا تبدو المصارحة والشفافية بلا أي قفازات ومداراة من جانب الدولة في المرحلة الحالية أكثر من ضرورة حاسمة، في كشف الكثير مما ينتظر اللبنانيون معرفته، سواء عن مسار المفاوضات بلا أي حرج، أو عن نظرة الدولة ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة والقوى الداعمة لهما لسيناريوهات اليوم التالي إن ظل الاستنزاف مفتوحاً. ومع ذلك، حذار ألف مرة أي تهاون أو تراجع للدولة.
وكتبت روزانا بومنصف في” النهار”: أفضت الهدنة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إلى استمرار استخدام لبنان ساحة وحيدة تقريباً للمواجهة بينهما وبين إيران وإسرائيل. وعلى الرغم من انخراطه في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية مباشرة، فإن الهدنة المعلنة والممددة بين إسرائيل و”حزب الله” لم تحرز نجاحاً فعلياً نتيجة الحاجة إلى إبقاء لبنان مجالاً رحباً لرسائل الضغط المتبادلة لمصلحة الطرفين وأهدافهما، على وقع المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيرانعدا عن الأهداف المباشرة لكل من إسرائيل و”حزب الله” ومصالح كل منهما في مواصلة الحرب، ولو لم تعد تحدث تغييرات ميدانية عملياتية تذكر في المعادلة التي انتهت إليها الحرب حتى الآن، في ظل الضوابط الأميركية لإسرائيل بشكل خاص.
الخسارة في المحور الإيراني تترجم في انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة لم تنجح إيران في تعطيل مسارها أو عرقلته حتى الآن، وفق مصادر ديبلوماسية، فيما وُضع سلاح الحزب على الطاولة مع صعوبة تحقيق إنجاز انسحاب إسرائيلي من الجنوب وضمان عودة أهالي القرى الحدودية من دون حل جذري لا يعيد تكرار ما حصل في محطات سابقة مماثلة.
وكتب رضوان عقيل في” النهار”: أظهرت الوقائع حتى الآن أنه يصعب التوفيق بين مطالب لبنان وإسرائيل على طاولة المفاوضات في واشنطن، في ظل أفق مفتوح على سخونة أكبر، وهذا ما تعمل عليه تل أبيب أولاً التي تعتقد أنها أمام فرصة سانحة عسكرياً لـ”القضاء على ما يهدد أمنها”.
ثمة قراءة دبلوماسية غربية لا ترى حتى الآن أن مفاوضات واشنطن ستؤدي “إذا كانت إيجابية” إلى هدنة حقيقية في الجنوب، لأن إسرائيل ترفض تقديم أي تنازلات من منظارها من دون ربطها بإيران، ولن تنسحب من المساحات التي احتلتها قبل تبيان حقيقة ما ستنتهي إليه صورة إيران النووية والحد من قدرات برنامج صواريخها وتعاملها مع مستقبل الأذرع في المنطقة، وخصوصاً “حزب الله”، وعدم استعمال أي جيوب لها في العراق واليمن بعد منع تمددها في سوريا. ومعلوم أن بنيامين نتنياهو يفضل خوض انتخابات الكنيست ووحدات جيشه في الجنوب، مع استثماره فئات كبيرة من الرأي العام الإسرائيلي وتصاعد موجات اليمين المتطرف الذي يؤيد خياراته، وهو يستفيد في الوقت نفسه من عدم ممارسة الرئيس دونالد ترامب “ضغوطاً كبيرة عليه” تجبره على الانسحاب من الجنوب الذي يبقى المطلب الأول عند المفاوض اللبناني. ولن يتأخر “حزب الله” في التركيز على هذه النقطة للقول أن لا جدوى من كل مفاوضات واشنطن ما دامت لم تترجم بهدنة عسكرية جدية، وكل ما يشاع عن حصول خروق إيجابية من هنا وهناك “ما هو إلا شراء للوقت”. يبقى التركيز بحسب جهات دبلوماسية أميركية وغربية مواكبة على إمكان التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، حيث من السهل بت وضع ترتيبات أمنية ونهائية لتثبيت مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
وتتجه الأنظار إلى المفاوضات العسكرية في البنتاغون بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي في 29 من الجاري، حيث سيركز الثاني على نقطة واحدة هي بت مصير سلاح الحزب وعدم القبول بالاحتفاظ به. ويعمل البنتاغون على خطّين: البحث في ملف الترتيبات الأمنية بين “الجارين”، وتأكيد الاستمرار في دعم الجيش اللبناني، لأن أصواتاً نافذة في الكونغرس أخذت تدقق وتتساءل عن المساعدات العسكرية والمالية للجيش. وتتعامل قيادة المؤسسة بـ”عقلانية ومسؤولية وطنية عالية رغم جملة من الضغوط التي تتعرض لها من الداخل والخارج حيال المهمات الملقاة على عاتقها والتي لا يمكنها تنفيذها قبل التوصل إلى تفاهمات سياسية ودبلوماسية”.

