5 يونيو 2026, الجمعة

“المناطق التجريبية” جنوبًا.. هل تنجح الدولة حيث فشلت السياسة؟

Doc P 1534600 639162517991740779
لم يخرج الاتفاق الجديد حول وقف إطلاق النار في لبنان من رحم تسوية مكتملة، ولا من اقتناع إسرائيلي نهائي بوقف التصعيد، ولا من تفاهم داخلي لبناني واضح حول المرحلة المقبلة. خرج، في الواقع، من حاجة أميركية إلى ضبط واحدة من أكثر ساحات الاشتباك حساسية في الإقليم، ومن حاجة لبنانية إلى وقف النزف، ومن رغبة إسرائيلية في تحويل الضغط العسكري إلى ترتيبات أمنية قابلة للقياس على الأرض.
 
بهذا المعنى، قد لا يختلف الاتفاق الذي توصل إليه المفاوضون اللبنانيون والإسرائيليون في واشنطن، مساء الأربعاء، في ظاهره عن سابقيه من حيث الأُطر العامة، ولذلك لا تبدو العبارة الأهم في الاتفاق هي “وقف إطلاق النار” بحد ذاته، وقد باتت مكرّرة بلا ترجمة. غير أنه يحمل في تفاصيله مصطلحًا جديدًا يستحق التوقف: “المناطق التجريبية”، وهو مصطلح يبدو تقنيًا في صياغته، لكنه سياسي في جوهره، لأنه يضع الدولة اللبنانية أمام امتحان من نوع مختلف.
 
جوهر الاتفاق ليس في وقف إطلاق النار، بل فيما يليه، إذ اتفق الجانبان على إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية مع استبعاد أي جهات فاعلة غير حكومية، على أن تقدّم واشنطن الدعم اللوجستي والفني اللازم للجيش اللبناني لتمكينه من القيام بمهامه الجديدة في هذه المناطق. هنا تبدو الدولة تحت الاختبار: هل تستطيع أن تمسك بالأرض في مساحة محددة، قبل أن تمتلك القدرة على حسم السؤال الأكبر المتصل بالسلاح والدور والقرار؟
 
سيادة تبدأ من الجغرافيا
 
الجديد في طرح “المناطق التجريبية” أنه لا يبدأ من الطاولة السياسية، بل من الأرض. فبدل البحث الفوري في حل شامل يصطدم بسقف الانقسام الداخلي، يجري الدفع نحو نموذج محدود: الجيش يتولى السيطرة، الجهات المسلحة غير الرسمية تنسحب أو تُمنع من النشاط، والمجتمع الدولي يراقب قدرة الدولة على تحويل النص إلى واقع. بهذا المعنى، تصبح الجغرافيا مدخلًا إلى السياسة، لا نتيجة لها.
 
بطبيعة الحال، فإنّ اختيار واشنطن لنموذج “التدرج” بدل التسوية الشاملة الفورية ليس صدفة. فالمسؤولون الأميركيون، على ما يبدو، يدركون أن انتزاع اتفاق شامل يتعلق بسلاح حزب الله وصلاحيات الجيش ومستقبل القرار 1701 في جلسة واحدة أمر متعذر. لذلك اعتمدوا منطق المساحات المحدودة: تثبّت السيطرة اللبنانية في نقطة أولى، تُقيَّم، ثم تُوسَّع. وبموجب هذا النهج، يُخفَّض التصعيد قطاعًا تلو الآخر، حيث تنسحب إسرائيل من مناطق محددة، وينتشر الجيش لتفكيك البنية التحتية لحزب الله، وتتولى الولايات المتحدة مهمة التحقق من الامتثال.
 
هذا المنطق مُغرٍ على الورق، لكنّ نجاحه ليس مضمونًا، كما أنه ينطوي على رهان كبير. فالجيش يستطيع أن ينتشر، وأن يدير الحواجز، وأن يثبت حضورًا ميدانيًا، إلا أن السيطرة الحصرية لا تُقاس بعدد الآليات العسكرية فقط. تُقاس أيضًا بمدى قبول البيئة المحلية، وبقدرة السلطة على منع أي التفاف سياسي أو أمني على الانتشار، وبوجود غطاء داخلي واضح لا يترك المؤسسة العسكرية وحيدة في مواجهة تعقيدات الجنوب. من دون هذا الغطاء، قد تتحول “المناطق التجريبية” إلى عبء إضافي على الجيش، بدل أن تكون بداية مسار جديد.
 
فخّ التنفيذ تحت النار
 
بانتظار نضوج الصورة وتبلورها، تبقى المشكلة في “الاجتهادات” التي تلجأ إليها إسرائيل كلّ مرة فتفرغ كل اتفاق من مضمونه. وهو ما كشفت عنه التصريحات الإسرائيلية التي تلت الإعلان، إذ أوحت بأن تل أبيب لا تريد التراجع الكامل عن منطق العمليات، ولا تنوي منح لبنان فرصة هادئة لاختبار النموذج الجديد، ما يعني أنّ إسرائيل تتعامل مع الاتفاق بوصفه أداة ضغط لا نهاية ضغط، وهو ما يضع الاتفاق منذ بدايته أمام تناقض خطير: كيف يمكن اختبار سلطة الدولة اللبنانية في منطقة لا تزال إسرائيل تعتبر نفسها صاحبة اليد العليا فيها؟
 
هنا يصبح التحدي اللبناني مزدوجًا. فمن جهة، تحتاج الدولة إلى إثبات قدرتها على الإمساك بالأرض، لأن أي فشل سيُستخدم ذريعة للقول إن لا بديل عن المعادلات القديمة. من جهة ثانية، لا تستطيع الدولة أن تظهر كأنها تنفذ شروطًا أمنية تحت ضغط النار الإسرائيلية، لأن ذلك سيحوّل أي خطوة ميدانية إلى مادة انقسام داخلي، ويمنح خصومها فرصة تصويرها كطرف في معادلة مفروضة من الخارج.
 
هذا التوازن شبه المستحيل هو ما سيُحدد صدقية الاتفاق في الأسابيع المقبلة. ولذلك، فإنّ معيار النجاح سيكون مرتبطًا بتسلسل الخطوات، لا بعناوينها فقط. تزامن انتشار الجيش مع وقف فعلي للاعتداءات الإسرائيلية، ومع انسحاب واضح من المناطق المحتلة، زادت فرص تسويق النموذج داخليًا باعتباره استعادة للدولة لا تنازلًا سياسيًا. أما إذا بقيت إسرائيل تضرب، وتمنع عودة السكان، وتحتفظ بمواقعها، فإن “المناطق التجريبية” ستفقد معناها، وستبدو كأنها محاولة لاختبار الدولة داخل مساحة ناقصة السيادة.
 
لا يدخل لبنان، إذًا، مرحلة استقرار مكتملة. يدخل مرحلة امتحان. فالاتفاق لا يحلّ سؤال السلاح، ولا ينهي الخلاف حول دور حزب الله، ولا يضمن تراجع إسرائيل عن سياسة الضغط العسكري. لكنه يضع أمام الدولة اللبنانية فرصة نادرة لاختبار فرضية طالما قيل إنها مستحيلة: أن تبدأ استعادة القرار الأمني من مساحة محددة، وأن يتحول نجاحها إلى حجة لتوسيع النموذج.
هذا في حدّ ذاته اختبار لم يجتزه لبنان من قبل. أما عبوره بنجاح، فمشروط بغطاء سياسي داخلي لا يترك الجيش مكشوفًا، وضغط أميركي جدّي يمنع إسرائيل من تعطيل التجربة، وتعامل لبناني حذر مع الملف لا يحوّله إلى انتصار لفريق على آخر. بانتظار ذلك، تبقى “المناطق التجريبية” امام احتمالين. قد تبقى مجرد بند عابر في اتفاق هشّ، وقد تتحول إلى بداية مسار جديد. الفارق سيصنعه التنفيذ…

المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24