14 يونيو 2026, الأحد

لبنان من الدولة الواحدة إلى خرائط النفوذ الأربع.. فأين مصلحة الشيعة؟!

Doc P 1538576 639169889460759361
مع قرب الإعلان عن مذكرة تفاهم أميركية – إيرانية يُفترض أن تتناول إنهاء المواجهات على مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع الإقليمي، ومنها الساحة اللبنانية، يثير توقيت التصعيد الإسرائيلي تساؤلات عما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى تحويل إنجازاتها العسكرية إلى حقائق جغرافية دائمة، بما يسمح بتوسيع ما بات يُعرف بـالمنطقة التجريبية من جنوب الليطاني إلى مناطق أوسع تمتد نحو النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان.

في هذا السياق، تدخل الحرب في جنوب لبنان مرحلة جديدة، إذ يبدو أن التوسع الإسرائيلي الأخير شمال نهر الليطاني يشكل محاولة استباقية لفرض معادلات جديدة على الأرض قبل تبلور أي تفاهمات إقليمية قد تفضي إلى وقف الحرب.

تراهن إسرائيل على فرض وقائع ميدانية تجعل أي ترتيبات أمنية مستقبلية تنطلق من خرائط جديدة، لا من حدود الاشتباك السابقة. فكلما توسعت مساحة السيطرة العسكرية، ارتفعت قدرة تل أبيب على فرض شروطها خلال المفاوضات المرتقبة، سواء لجهة انتشار الجيش اللبناني أو لجهة مستقبل الوجود العسكري لـ«حزب الله» جنوباً.

في المقابل، يجد “حزب الله” نفسه أمام معادلة معقدة. فمن جهة، يراهن على أن التفاهم الأميركي – الإيراني قد يفتح الباب أمام وقف العمليات العسكرية ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه السياسية والشعبية، ومن جهة أخرى، يواجه واقعاً ميدانياً صعباً فرضته الحرب، مع خسائر كبيرة في بنيته العسكرية وفي المناطق التي كانت تشكل عمقه العملياتي جنوب الليطاني.

لكن المعضلة الأساسية تبقى أن وقف إطلاق النار لا يعني تلقائياً انتهاء الحرب. فتثبيت الهدوء يحتاج إلى تفاهمات أمنية واضحة تتناول انتشار الجيش ، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح حزب الله، وآليات منع تجدد المواجهة. لذلك، فإن أي مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، مهما بلغت أهميتها، لن تكون سوى خطوة أولى على طريق طويل ومعقد من التفاوض.

من هنا تكتسب الجولة الخامسة المرتقبة من المفاوضات أهمية استثنائية، إذ ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من موقع الوسيط المراقب إلى موقع الضامن القادر على إلزام الأطراف بتفاهمات قابلة للحياة. كما ستحدد ما إذا كانت الحرب تتجه فعلاً نحو نهايتها، أم أن الجنوب سيبقى تحت الاحتلال.

وتشير أوساط أميركية إلى وجود سياسة أميركية جديدة تجاه لبنان تتكرس بالتوازي مع مسار المفاوضات. فالمساعدات الأميركية للبنان تتراجع عاماً بعد عام؛ إذ لا مساعدات اقتصادية مرتقبة، كما جُمّدت المساعدات العسكرية التي كانت تقدمها وزارة الخارجية الأميركية، والتي كانت تُقدّر بنحو 140 مليون دولار سنوياً. أما المساعدات المخصصة للجيش فستأتي من وزارة الدفاع الأميركية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بقيمة تبلغ نحو 36 مليون دولار، وهو انخفاض حاد مقارنة بالسنوات السابقة التي تراوحت فيها المساعدات بين 100 و200 مليون دولار. واللافت أن هذه المساعدات ستخصص بصورة أساسية لأغراض لوجستية وتدريبية وتجهيزات اتصالات ودعم مادي، وسيذهب الجزء الأكبر منها إلى ثلاثة ألوية نخبوية هي: المغاوير، والمجوقل، ومغاوير البحر. وهذه الوحدات منتشرة في المناطق الممتدة من طريق الشام حتى مداخل الشمال.

في هذا المشهد، لا تظهر الدولة وحزب الله كطرفين متكاملين داخل إطار وطني واحد، بل كركيزتين لكيان سياسي جديد قيد التشكل. ووفق هذا التصور، يقترب لبنان تدريجياً من نموذج شبيه بالوضع الذي نشأ في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اتفاق أوسلو، حيث تتوزع السلطات والاختصاصات وفق خرائط نفوذ مختلفة، لا وفق مبدأ السيادة الواحدة.

وعليه، يمكن تصور البلاد، نظرياً، على أربعة مستويات:

أولاً: منطقة “أ”، تخضع فيها السلطة الحصرية لمؤسسات الدولة وأجهزتها، وتتمثل بصورة أساسية في المناطق ذات الغالبية المسيحية.

ثانياً: منطقة “ب”، تقوم على إدارة مشتركة بين الدولة و”الحزب”، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتشمل أجزاء واسعة من المناطق السنية والدرزية، حيث تتقاطع السلطات الرسمية مع موازين القوى السياسية والأمنية القائمة.

ثالثاً: منطقة “ج”، حيث يصبح النفوذ الفعلي للحزب هو المحدد الأساسي للقرار الأمني والاستراتيجي، وتتمثل بصورة رئيسية في المناطق ذات الغالبية الشيعية، علماً أن الجنوب قد يبقى تحت الاحتلال لفترة طويلة، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي رهناً بحجم الضغط الأميركي على حكومة نتنياهو.

رابعاً: منطقة “د”، وهي مناطق الشمال التي قد تتأثر بدرجات متفاوتة بالنفوذ السوري، في ظل التحولات الإقليمية الجارية، علماً أن أعداد النازحين فيها تبقى محدودة قياساً بمناطق أخرى.

وفي حال ترسخ مثل هذا النموذج، فإن الخطر لا يقتصر على تكريس ازدواجية السلطة، بل يتعداه إلى إعادة تعريف الدولة نفسها، بحيث تتحول من مرجعية سيادية جامعة إلى إطار إداري ينظم العلاقة بين مناطق متفاوتة النفوذ والصلاحيات، الأمر الذي يطرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل وحدة القرار الوطني ومفهوم الدولة في لبنان.

وهذا الواقع الجديد الذي قد ينشأ في لبنان يستدعي من قيادة حزب الله، كما يقول قطب سياسي بارز، أن تطرح على نفسها سؤالاً يتعلق بالمصالح الاستراتيجية للحزب وللشيعة في لبنان، فما هي مصلحة الشيعة في واقع يجعل المناطق الخاضعة لنفوذ الحزب مناطق معزولة، تخضع لمقاطعة عربية ودولية، وتغيب عنها الاستثمارات وفرص النمو والازدهار بالمستوى الذي قد تشهده مناطق أخرى؟ وما هي مصلحة الشيعة في أن تتحول مناطقهم إلى ساحات اضطراب أمني وعدم استقرار وعسكرة دائمة، بما يدفع البرجوازية الشيعية والنخب والمؤسسات والشركات إلى الانتقال خارج بيئتها الطبيعية؟ تبدو هذه الأسئلة مشروعة، وعلى قيادتي الحزب وحركة أمل مواجهتها بجرأة وشجاعة، لأن حجم المكاسب الأمنية أو السياسية، مهما بلغ، قد لا يقارن ، بحسب القطب السياسي نفسه، بحجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والاستراتيجية المترتبة على المدى البعيد.

المصدر: Lebanon24